الجامعة الأميركيّة: من ساحة نضال إلى انتخابات طلّابيّة هزيلة

رامي عبّود

المدقّق اللّغوي

           تعود بداية الحراك الطلابي في الجامعة الأميركيّة في بيروت إلى ما قبل منتصف القرن الماضي. واستمرّ منذ ذلك الوقت حتّى يومنا هذا، وشهد ازدياد اللّاعبين فيه بعد أن تأسّست نوادٍ جديدة في الجامعة. لكن تختلف أهداف وطبيعة الحراك مع اختلاف الأزمنة.

 

           لا يخفى على أحد أنّ الحراك الطلابي اليوم الذي تقوم به الغالبيّة الساحقة من النوادي المشاركة في الانتخابات الطلابيّة يسيطر عليه الطابع السياسي. ويتلخّص هذا الحراك بسعي النوادي إلى استقطاب أكبر عدد ممكن من الطلاب خلال السّنة الدراسيّة لضمّهم إلى صفوفها. ولا يتوّج هؤلاء نشاطهم الاستقطابي إلّا بفوزهم بأغلبيّة مقاعد التمثيل الطلابي والحكومة الطلّابيّة في الانتخابات. كلّ ذلك يصبّ في خدمة هدفهم الكامن في إظهار شعبيّة نواديهم الممثّلة لأحزاب وتيّارات سياسيّة معروفة، ليظنّ المراقبون أن هذا الحزب أو ذاك يحظى بتأييد غالبيّة الجيل الصاعد، معتبرين طلّاب الجامعات بمثابة عيّنات من هذا الجيل. وقلّة هي النوادي التي تنظّم محاضرات تتناول مواضيع تعطي الطلّاب فرصة بناء الحد الأدنى من الوعي السياسي الضروري في زمننا هذا.

 

           أمّا إذا عدنا إلى الحقبة السابقة، فسنجد أن الحراك الطلابي وقتها يختلف عن الذي نشهده اليوم، إن كان على صعيد الأهداف، أو على صعيد طبيعة النشاطات، أو حتّى على صعيد وعي الطلّاب السياسي والذي كان أفضل حالاً من الذي نلتمسه في الجامعة هذه الأيّام. إذ كانت الجامعة الأميركيّة في بيروت تضمّ عدداً كبيراً من الشخصيّات التي قادت فيما بعد حركات مقاومة واجهت الاحتلال الصهيوني. ومن بين هذه الشخصيّات جورج حبش ووديع حدّاد على سبيل المثال وليس الحصر. فحبش وحدّاد من الشخصيّات الأساسيّة التي نشطت في جمعيّة العروة الوثقى. وهذه الجمعيّة ضمّت عدداً كبيراً من الطلاب الذين تأثّروا بالتيار القومي العربي، حيث كانت الجمعيّة مرآةً لحركة القوميّين العرب في الجامعة. وحركة القوميّين العرب بدورها كانت النواة الأولى لتأسيس الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين التي ابتكرت عمليّات خطف الطائرات التابعة الإسرائيليّة وتربّعت على عرش منفذي عمليّات تفجير السفارات واغتيال القيادات الصهيونيّة حول العالم في السّبعينات.

 

        وإذا قفزنا بالسّنوات إلى الأمام ولامسنا بداية التسعينات، لوجدنا أنّ الحراك الطلابي في الجامعة اتّخذ منحىً آخر ومختلف كما أسلفنا. حيث أصبح أقصى ما يمكن أن يحقّقه أيٌّ من الناشطين في النوادي السياسيّة من “إنجازات” في الساحة السياسيّة اللّبنانيّة بعد تخرّجه، هو وصوله إلى المجلس النيابي اللّبناني كممثّل لحزب يغمره الصّدأ، حاله كحال غالبيّة نظرائه في لبنان، بفعل طول سنوات وجوده مع افتقاد نشاطاته لأي فعّاليّة تُذكر. ومجموعة أخرى من الطلّاب لم تفقه من هذه الحياة شيئاً غير التبجّح بالعلمانيّة، وكأنّ لا أخطار ولا عراقيل تهدّد وتعيق تقدّم البلدان العربيّة سوى لا علمانيّة أنظمتها. وما هو مؤسف، أنّ هذه المجموعة من الطلاب تروّج أيضاً إلى ضرورة عدم إعطاء الحراك الطلابي في الجامعة طابعاً سياسيّاً.

 

        هذا ما آلت إليه الأمور في عصرنا هذا. والمطلوب في ظل هذا الواقع أن تقوم مجموعة من الطلّاب بتوحيد جهودها ووضع نصب عينيها العمل على تنظيم محاضرات تحاكي وتناقش أبعاد ما يجري من أحداث سياسيّة مفصليّة من حولنا بشكل دائم، لكي يعيَ جميع الطّلبة كلّ الأخطار التي تهدّد منطقتنا، وبالتالي ينتقل الجميع إلى تحديد مسؤوليّاتهم اتجاه المجتمع. ويجب أن يكون ذلك كلّه إلى جانب السعي وراء تحسين وضع الطالب في الجامعة، عسى أن يؤدّي ذلك كلّه إلى ولادة شخصيّات جديدة شبيهة بجورج حبش ووديع حدّاد من رحم الجامعة الأميركيّة في بيروت.

Leave a Reply