عن حياة اسطورة…

محمّد بوّاب

كاتب صحفي

وكُتب آخر سطرٍ وأُغلق الكتاب. لم تكن روايةً ولا قصّةً ولا حتى سيرةً ذاتيّةً، بل كانت حكايةً لحياة أسطورةٍ خفّ بريقها مع ساعات الفجر فوضّبت أنفاسها ورحلت. رحلت الشحرورة عن عمرٍ يناهز 87 سنة، تاركةً خلفها أكثر من ثلاثة آلاف أغنيةٍ و 83 فيلمًا و27 مسرحيةٍ تكفي بأن تبقيها سيندريلا العصر القديم حيّةً في قلوب اللبنانيين والعرب جميعاً. كانت حرّة في حياتها كما في موتها، فهي إبنة القرية اللّبنانية الصغيرة –بدادون- تركتها في سنٍّ مبكّرٍ لتعود إليها بحالةٍ استثنائيّةٍ تنحني لها الرؤوس إجلالاً. رحلت وهي شبه وحيدةٍ في غرفة فندقٍ كانت نزيلته منذ وقتٍ طويلٍ بعد أن باعت منزلها وأملاكها دافعةً ضريبة معروفها وسخائها إلى أقرب الناس إليها. ولكنها ظلّت تقاوم بضحكةٍ ،تبكي بضحكةٍ، تغضب بضحكةٍ حتّى أنّها أوصت محبّيها بأن يكون يوم تشييعها يوماً للفرح يرقصون فيه ويدبكون. اسمها الحقيقي “جانيت الفغالي” (مواليد1927-بدادون)، بدأت الغناء باكرًا متأثّرةً بالجو الزجلي في ذلك الوقت. وبعد أن كبرت وتخطّت سنّ المراهقة، قرّرت أن تصبح مغنّيةً فراحت تبحث عن حياةٍ جديدةٍ بعيدًا عن جوّ عائلتها الصّاخب. لقّبت “جانيت” بصباح في القاهرة عندما لبّت دعوة المنتجة اللّبنانية التي كانت تعمل في مصر “آسيا داغر”، حيث عقدت اتّفاقًا معها يقضي بمشاركتها بثلاثة أفلامٍ دفعةً واحدةً وبعدها انهالت عليها الألقاب من صباح إلى الشّحرورة والأسطورة وغيرها. كانت صباح ذات صوتٍ جبليٍّ بلديٍّ بامتيازٍ، جال ساحات الميجانا والعتابا وأبو الزّلف بثقةٍ، وتردّدٍ صداه بين القاهرة وبيروت. فهذه القدرات أتاحت لها أن تتعامل مع كبار الملحّنين والموسيقيّين أمثال رياض السنباطي، محمد عبد الوهاب، محمد القصبجي، زكريا أحمد، الأخوان الرحباني، فيلمون وهبي، فريد الأطرش، كمال الطويل، زكي ناصيف، وليد غلمية وغيرهم. غنّت على أكبر المسارح اللبنانية، العربية، والعالمية مثل “أرناغري” في نيويورك ودار الأوبرا في سيدني وقصر الفنون في بلجيكا وقاعة ألبرت هول في لندن، وكذلك على مسارح لاس فيغاس، وإنّها ثاني فنانة عربية بعد أم كلثوم تغني على مسرح الأولمبيا في باريس إلى جانب فرقة روميو لحود الاستعراضية. أمّا في السينما والمسرح، فقد كانت صباح أيقونة الجمال والرّقة والعفوية، وكانت إطلالاتها بديعةً عفويةً متقنةً ببراعةٍ تامةٍ. فلها في السينما المصرية واللبنانية أكثر من 83 فيلماً مثل: ليلة بكى فيها القمر، كانت أيّام، رحلة السعادة، شارع الضّباب وغيرها الكثير. أما من مسرحيّاتها: 27 موسم العز، دواليب الهوا، ست الكل وغيرها.
كانت صباح كما يقال “مزواجا ومطلاقا” تزوّجت تسع مرّاتٍ. أول أزواجها نجيب شماس كان في عمر أبيها، تزوجت منه في الثامنة عشرة من عمرها هرباً من تسلط أبيها، ثم وقع الطلاق لتتزوج من الشيخ عبدالله المبارك الذي طلقته بعد شهر. ثم تزوجت من عازف الكمان المصري أنور منسي وطلقته، إذ كان يقامر ويضربها. ومن بعده تزوجت من المذيع المصري المتدين أحمد فراج فراح ، ففرض عليها الإحتشام في اللبس والسلوك، فطلقته. ثم تزوّجت من الممثل المصري رشدي أباظة مدة شهرين، ثم طلّقت وبعد طلاقها من جو حمود تزوجت من الفنان اللبناني وسيم طبارة، قبل زواجها الأخير من فادي لبنان الذي أمضت معه اطول فترة وهي 17 سنة.
فبعد شيوع خبر وفاة السيدة صباح فجر الاربعاء في السادس والعشرين من تشرين الثاني 2014 ، عبّر عدد من الإعلاميين، الفنّانين، والسياسيين عن حزنهم لغياب الشحرورة بكلمات معبّرة منها:
-جوليا بطرس: “كل البشر أحباب قلبي مصورين قبال عيني والقمر حد القمر” يا شمس صباحات لبنان الجميلة لن تغيبي..
-رابعة الزيات: رحلت أسطورة الفرح وصانعة الأمل ، وشحرورة الحياة ، الله معك صباح.
واعتبر النائب وليد جنبلاط عبر “تويتر” أنّ رحيل الفنانة صباح “خبر محزن”، لافتا الى انه “مع رحيلها رحل قسم كبير من ماضي لبنان الجميل.”
غابت صباح جسدا ولكنّها بقيت أيقونةً للشرق ذات سجلّ حافل بالأعمال الفنية سيبقيها حيّة في قلوب محبيها.

Leave a Reply