أكثر من مادّة

فراس ملاعب

كاتب صحفي

لم يكن خياري بتسجيل عربي ٢٤٥ مع الأستاذ نديم نعيمة مقصوداً. على الرغم من السمعة الرائعة التي يكتسبها الأستاذ والمادة سوياً الا اني مثل معظم الطلاب اميل الى تقطيع هذة المادة بأقل اضرار ممكنة.

قد تكون من محبي اللغة العربية والقراءة أو قد تشدك الثقافة الغربية أكثر، قد تكون لامبالي بالقضايا العامة أو تكون حاملاً هموم السياسة والإقتصاد الى ابعد الحدود. قد تكون مؤمن أن الدين اساس الحكم او ان الدين هو افيون الشعوب. مهما كانت خلفياتك وقناعاتك فإنها لسوف تخضع لامتحان قد يوصلك إلى رفض ما اعتقدت به أو إلى ترسيخه.

لم تعلّمني هذه المادة فقط تاريخ الشعوب الناطقة بالعربية أو تاريخ المسلمين. لم أكتشف من خلالها مراحل التطور والتخلّف التي مرّت بها هذه الشعوب ولا الظروف وراء حصول هذه الأحداث. لم تعرّفني هذه المادة على جمال الدين الأفغاني أو محمد عبده أو قاسم أمين أو طه حسين. لم تجعلني أستخلص أن العلمنة  وفصل الدين عن السياسة هي- إلى جانب الحريّة الشخصية بما فيها حريّة المرأة-  جسر العبور نحو الحداثة. لم تنّبهني هذه المادة إلى الجدليّة الموجودة بين الدين والعلوم وبأن الدين ثابت والعلوم  متحرّكة وأن  فكرة ربطهم ببعض بحجة الحفاظ على تماسك المجتمع باطلة، لم أحتاج إلى درس فصول هذه المادة لأربط بين ما يحصل اليوم وما كان يحصل خلال الستة أو سبعة قرون المنصرمة. ليس هذا ما تتعلمه من هذه المادة ومن هذا الأستاذ فكل هذا وأكثر ليس إلّا مكمّلات لجوهر ما ستتستخلصه عند نهاية الفصل.

ما ستتعلمه في هذه المادة هو أن تخضع معتقادتك للنقد. ستتعلم أن الثابت الوحيد في الحياة هو التغيير وأن أي معتقد إيديولوجي، سياسي، أو اقتصادي لا يمكن أن يصلح لزمنين. ستتعلّم وبالطريقة الصعبة أن لا تعتمد ما هو ظاهر لك كجواب بسيط على سؤال أبسط. سوف تستفزّك عينا نعيمة الواسعتان اللّتان تحدّقان بجهلك وأنت تحاول “نظم الشعر” على حد قوله لكنك سوف تشعر بأنك المخلص لتاريخ العرب حين تجاوب بدقة على سؤال بسيط أو”معقّد”. ستتعلم أن تُخضع أي فكرة للنقد وتتعلم أن لا تتكلم مثل “الي بيطلعوا على التلفزيون” أي أن تنظر فقط… ستتعلم هذا وأكثر

خلال فصلي الدراسي الآخير وقبيل التخرج من الأمريكيّة تلفتني التفاصيل الصغيرة التي غابت في عجقة الدراسة والمسؤوليات الكثيرة ولم ننتبه لها. من هذه التفاصيل يبرز البرنامج التعليمي الذي يتضمن أخذ صفوف اختيارية من مختلف المجالات. هكذا نصبح مطلعين وبعيدين عن الانغلاق الذي يعاني منه بعض الطلاب الغارقين في اختصاصهم فقط. تتوسع آفاقنا لكي نكون مثقّفين داخل وخارج اختصاصتنا العمليّة.

Leave a Reply