مطمر الناعمة من الألف إلى الياء: :كارثة بيئية ومماطلة قانونية

محمد بواب

مراسل صحفي

 

يبدو أنّ مناخ التّمديد في لبنان لا يقتصر فقط على السّياسة، فمنخفضاته الجويّة قد أصابت أيضاً الملف البيئي وأحدثت عواصف كانت كفيلةً بخلط أوراق اللّعبة والتّسبّب بإتلاف مواسم من الإنتظار والتّرقب من قبل أهالٍ عانوا الأمرّين. الطّريق الى مطمر النّاعمة أصبح وعرًا بسبب الوعود التى بات المسؤولون يتراشقون بها ويضعونها كحبّة مهدّئ تحت لسان شعبٍ كان سكوته جريمةً وأصبح تحرّكه اليوم جريمةً أخطر. وكيف لا وهم حرّكوا ملفّاً وأيقظوا قضيّةً في بلدٍ لا يملك القدرة على تحديد وتبنّي خياراتٍ واضحةٍ في مجال معالجة النّفيات الصّلبة. فإذا كانت الشّعوب والأمم المتقدّمة تُقاس بفنونها وآدابها، فلقد أصبحت اليوم تقاس بمدى قدرتها على إدارة نفاياتها.

 

تاريخ مطمر النّاعمة

تعود أزمة مطمر النّاعمة إلى ما بين عامي 1997 و1998 عندما أُقفل مكبّ برج حمّود وأحرق النّاس محرقة العمروسيّة كورقة ضغطٍ لإقفالها. عندها تحرّكت البلديّات بعدما وجدت أنّ الامر جديّ ويتطلّب حلاًّ سريعاً، فقضت خطّتها باستملاك المقالع والكسّارات وتحويلها الى مطامر. ولكنّ الوقت كان غير كافٍ والمشكلة كانت تتفاقم يوماً بعد يوم، فإلى حين تحقيق خططها ، وضعت خطّة طوارئ أدّت الى خلق مطمر جديد كحلّ مؤقت لإحتواء المشكلة يدوم لخمس سنوات فقط فكان “مطمر النّاعمة.” غير انّ أهالي النّاعمة وعين درافيل يعيشون ضمن الظّروف الطّارئة حتى اليوم اذ تمّ تجديد العقد ثلاث مرّات على ان ينتهي في 17 كانون الثاني 2014. العقد استمرّ وامتدّت بنوده لتطال اطراف 2015 والتّأجيل يلحق التّأجيل ويبقى السّؤال هل يتحمّل الوضع في النّاعمة تأجيلا؟ خصوصًا أنّ ناقوس الخطر بدأ يدقّ مما يجعل الوضع البيئي في لبنان يسير من سيّئ الى أسوأ.

 

الوضع البيئي الرّاهن

نسبة التلوّث في لبنان بازديادٍ مستمرٍّ بغياب الخطط والحلول البديلة. فكيفيّة معالجة النّفايات الصّلبة تحتل الواجهة بدعمٍ خجولٍ من بعض الجمعيّات. إضافةً إلى ذلك، فإنّ معالجة المياه العادمة (مياه الصّرف الصّحي والصّناعي) أصبحت حاجةً ماسّةً لترشيد استخدام المتاح من المياه، خاصّةً في السّنوات الأخيرة حيث بات لبنان يشهد شحّاً في المياه وخاصّةً خلال مواسم الجفاف. ولكنّ الخطر الأكبر اليوم يجسّده مطمر النّاعمة حيث تتصدّر أخباره عناوين الصّحف الأولى ومواضيعه تُطرح على طاولات حوارٍ ومستجدّاته كانت أبطال النّشرات الإخباريّة المسائيّة ،فواقعه البيئي مرعبٌ وهو على الشّكل التّالي:

1-   يتلقّى المطمر منذ أكثر من 16 عاما نصف نفايات لبنان، بما يعادل ألفيّ طنّ يومياً.

2-   انبعاث غازات سامة وخاصة الميتان(methane) القابل للإنفجار والمسبّب الأساسي للإحتباس الحراري.

3-   الحاجز الفاصل بين المطمر والارض سيصيبه الهريان بشكلٍ حاسم في مدّة أقصاها عشرين عامّا وهنا تكمن المشكلة الكبرى في التّلويث الممكن حصوله للتّربة والمياه الجوفيّة.

 

أنواع نفايات المطمر وخرق العقد

لقد ارتفعت جبال النّفايات من برج حمّود إلى النورماندي إلى صيدا وصولا إلى مطمر النّاعمة الذي تحوّل من حلٍّ لمشكلة نفايات بيروت الكبرى وبعض الجبل الى مشكلةٍ حقيقيّة. والمبالغ الطائلة التي أرهقت البلد منذ 1990 والّتي فاقت الأربع مليارات دولار اميركي لمعالجة موضوع النّفايات، كشفت عمق الأزمة. فبالعودة إلى خطّة الطّوارئ، فعقدها يشير إلى أنّ المطمر يستقبل فقط “العوادم” وهي من نوع النّفايات الّتي لا حلّ لها وهي لا تضمّ نفايات المستشفيات أو المسالخ. لكنّ ما يحصل فعليّا أن قيمة هذه العوادم تشكل 10% من نسبة مكوّنات النفايات في لبنان، غير أن المطمر يستقبل 80% من النّفايات المنتجة وهذا خرق للعقد.وهذه نظرةٌ علميةٌ تبسيطيةٌ لواقع هذه النفايات توضح الآتي:

1-   90 في المئة من النفايات الصلبة هي نفايات منزلية.

2-   تركيبة هذه النفايات وفق المرصد اللّبناني للبيئة والتّنمية: من 51 في المئة الى 63 في المئة مواد عضوية ،ومن 17 في المئة الى 18 في المئة ورق وكرتون، ومن7 في المئة الى 9 في المئة مواد بلاستيكيّة، ومن 5 في المئة الى 10 في المئة زجاج، ومن 3 في المئة الى 4 في المئة نسيج، ومن 3 في المئة الى 4 في المئة معادن، و5 في المئة ردميّات، و2 في المئة الى 3 في المئة نفايات اخرى.

وهنا يكمن الضّرر الاكبر، إذ أنّ تفاعل النّفايات العضوية التي يستقبلها المطمر مع باقي النّفايات يؤدّي إلى إنتاج وانبعاث غازات سامة ومن أخطرها الميتان القابل للإنفجار والذي كان في السّابق يؤدّي إلى انفجار واحتراق مكبّ صيدا مرّاتٍ عديدةٍ. إلى ذلك يؤدّي هذا التّفاعل إلى إنتاج سوائل سامة أو ما يعرف بـLeachate وهي ملوّثة ومسمّمة أكثر بمئة مرّة من المياه الآسنة.

 

تبلور صيغة الحل وتنفيذ قاعدة اللّامركزية  

فالتّاريخ النّهائي لاقفال المطمر كان في 17 كانون الثاني 2014. هكذا تم الاتّفاق بين اعضاء اتحاد بلديّات الغرب وكل من مروان شربل وزير الدّاخلية السّابق ورئيس مجلس الانماء والاعمار، حيث قالوا أنّه يلزمهم حوالي ستّة اشهر لتأمين البديل. ستة اشهر قد مرّت بل أكثر. جاء 17 كانون الثاني 2015 ولا غيوم في الجوّ تنذر بقدوم المطر، وكما يُقال ” لو بدّا تشتي كانت غيّمت.” ولكن هذه المرة لم تكن كسابقاتها، إذ أنّ البلديات قد حدّدت تاريخاً وصاغت بياناً وحمّلت المسؤولين كامل المسؤوليّة عن الخطر الّذي يواجهونه منذ أكثر من ستة عشر عاماً. فبعد الاعتصامات والاضرابات والتّوعّد بالتّصعيد، نتجت تسويةٌ تتعلّق بملف مطمر الناعمة. فقد تبلورت صيغة الحل المقترح في دارة جنبلاط في كليمنصو في اجتماعٍ حضره أرسلان والوزراء اكرم شهيّب ،وائل ابو فاعور، محمد المشنوق وعلي حسن خليل، رئيس مجلس الانماء والاعمار ، ورؤساء بلديات منطقتي الشّحار والغرب السّاحلي. وانتهى الاجتماع إلى الموافقة بالتّحفّظ على خطة الحكومة التي ستكون موضع متابعة من قبل لجنة تضم ممثّلين عن أحزاب وبلديّات والمجتمع المدني في منطقة الغرب والشّحار ستتولّى ملاحقة جميع الإجراءات الآيلة لوضع الخطّة على طريق التّنفيذ في أسرع وقتٍ ممكن، لا سيّما أنّ تنفيذ الخطة يعني أنّ مطمر الناعمة – عين درافيل قد أصبح شيئا من الماضي.

في مقابل ذلك، كان هناك اتّفاق على تأجيل الخطوات التّصعيدية مع إبقاء كل الخيارات مفتوحةً في حال الإخلال بالوعود التي قدّمت من قبل الوزراء المعنيّين بخصوص إقفال المطمر ومعالجة تداعياته بعد الإقفال. وأكدّ رئيس اتّحاد بلديّات الشّحار وغرب عاليه وليد العريضي التزام البلديات خطة الحكومة، وتلا بيانا في مؤتمر صحافي بحضور رؤساء البلديّات المحيطة بمطمر النّاعمة وهيئات المجتمع في مركز بلديّة عبيه، أشار فيه إلى تأكيد الوزراء المعنيّين التزامهم بالحل الذي تقدمت به الحكومة لجهة البدء الفوري بتنفيذ قاعدة اللّامركزية في ملف جمع ومعالجة وطمر النفايات، وأكدّ أنه تمّ الاتّفاق مع المجتمعين على أن تكون هناك متابعة أسبوعيّة من قبل اتّحاد بلديّات الغرب الأهلي والشّحار والبلديّات المحيطة بالمطمر مع الوزراء المعنيّين من اجل الإسراع بتنفيذ الخطة، والتّأكيد على تكملة مشروع توليد الطاقة الكهربائيّة من الغازات المنبعثة التي بدأت في بلدتي عبيه لتشمل بقية قرى المنطقة والمعالجة البيئيّة والصّحيّة للمطمر مباشرة بعد الاقفال. ومن جهةٍ ثانيةٍ، فإنّ البلديّات المعنيّة وهي عبيه – عين درافيل، بعورته، عرمون، عين كسور، البنيه، البساتين، كفرمتى، دقون، الدامور والناعمة، الشويفات والمشرف ستحصل على مليار و900 مليون ليرة، باستثناء بلدية عين درافيل التي يقع المطمر في نطاقها البلدي وستحصل على 13 مليارا.

وهكذا يكون ملف “مطمر الناعمة” قد أُغلق على حلول أرضت الطّرفين على أمل أن تطبّق في الوقت المحدّد ومن دون تأجيل أو مماطلة. ومن جهةٍ ثانيةٍ، نأمل من الوزارات المعنيّة من فتح ملفّات جديدة تكون بمثابة خطوة جريئة في المساق البيئي الخجول الذى يتخبط وحيدا وملفّاته في أدراج المعنييّن منتظراً من ينشله ويدخل به باحة البرلمان لانّه ملف يستحقّ المتابعة وقضية تستحقّ أن يسلّط الضوء عليها.

 

Leave a Reply