اليوفوريا الإعلامية: العنف الاسري والاغتصاب

خلود ملاك

نائب
محرر

protestmathaf2

  لم تكتشف الMTV  و LBC  و NTV و NBN و OTV… العنف الأسري، لم يكن “سكوباً” صحافياً. لائحة أسماء اللواتي قتلن من  قبل أزواجهن واللواتي تعرضن للتعذيب، التي رافقتنا على امتداد عدد وفير من  نشرات الأخبار، لم  تكن  سوى نبذة قصيرة عن حقيقة تاريخية وآنية.

  ما الذي كان وراء طفرة الريبورتاجات هذه،  أهو  زيادة دراماتيكية في عدد هذه الحالات؟ أم أن منسوب الوعي الاجتماعي  حول هذه القضية جعل مهمة  الإعلام أسهل  في رصدها ؟ إذا سلمنا بأن  حالات العنف الأسري أو جرائم الشرف مثلاً تتراجع  عدداً مع تقدم المجتمعات، فنحن نساوي  هذا  التقدم  تلقائياً بتقدم البشرية الإنساني. غير أن  مفهوم  التقدم اليوم المرتبط عضوياً بالتقدم الاقتصادي يتغاضى عن  حالات يمكن أن نصفها بالرجعية، أي تلك الحالات التي تفسر بغياب هذا التقدم  كالإرهاب مثلاً أو العنف ضد المرأة التي غالبا ما تنسب إلى المجتمعات غير الصناعية تحت شعار البربرية.

  غير أن هذه الحالات ليست سوى نتاج واقع هذا التقدم الذي يضع الاستهلاكية وزيادة الإنتاج  كأولى أهدافه ويهمل التطور الانساني. وإن سلمنا جدلاً أن تعقب مثل هذه الجرائم أصبح سهل المنال لأسباب مثل وعي المرأة لحقوقها أو إقناع العائلة بأهمية “نشر غسيلها”، فلِمَ توقفت هذه اليوفوريا الإعلامية الآن؟ فلا شك في أن العنف الاسري أو الاغتصاب  ما زالا واقعين . والمقصود هنا، ليس التشكيك بأهمية هذه القضايا أو التقليل من أهمية الاعلام بالإضاءة عليها، إنما الهدف المنشود هو تسليط الضوء على كيفية تناول الاعلام لقضايا العنف الأسري والاغتصاب، والإطّلاع على الأسباب التي تجعل من هذه القضية في سلم أولويات القضايا الاجتماعية الآن على الرغم من أنها متجذرة في الماضي كما في الحاضر.

  إن القضايا الاجتماعية، والأهمية المناطة بها هي نتاج اجتماعي من صنع الانسان.  كذلك،إن غلبة إحداها على أخرى في عصر معين، مثل غلبة القضايا الجندرية و قضايا المرأة  خصوصاً في يومنا هذا، هو جزء من اقتصادية.

  فالمعرفة كما يقول الفيلسوف الفرنسي فوكو، هي قوة بحد ذاتها.  فالأيديولوجيا النيوليبرالية الحالية قد أعطت أهمية كبرى لجميع أنواع اللّامساواة ومنها التمييز العنصري، العرقي، والتمييز على أساس الجنس، في حين أهملت اللامساواة  بين الطبقات الاقتصادية مثلاً، لأنها ببساطة  سبب تفاقمها.

  من جهة أخرى، تدخل هذه الإيديولوجيا في كيفية تفسير حالات الاغتصاب أو العنف الأسري.  نأخذ على سبيل المثال قضية منال عاصي وكيفية تعامل الإعلام  معها، أو قضية القاصر في طرابلس.  يوصف العنف الأسري بالعمل الوحشي المخزي بل المنتمي إلى عالم الحيوان لا الانسان، فيجرد الفاعل من نطاقه الاجتماعي والاقتصادي والثقافي وينسب إلى عالم آخر غير عالمنا هذا. على هذا المنوال، يتعامل الاعلام  مع هذه الحالة على أنها شواذ عن قاعدة الانسانية والسلام، وكذلك ترجم حالات الاغتصاب بالمفردات نفسها وكأنها تصف أول اغتصاب في تاريخ البشرية!

  وما أعنيه هنا ليس التقليل من بشاعة هذ الجرائم والتعديات وإنما الإضاءة على التحاليل الفردنية لها، إما على صعيد الفاعل أو على صعيد الحادثة ككل. والمذهب الفردني هذا نابع من الفكر الاقتصادي الكلاسيكي الذي يعتبر الفرد كائناً عقلانياً يتخذ قراراته حسب مصلحته الشخصية و ينفذها بهدف زيادة ربحه وسعادته.

   وبطبيعة الحال، إن هذا التصور للانسان لا يمكن أن يطبق إلا في السوق الحرة أي في المجتمعات الصناعية. ويتجرم هذا التصور للانسان من منحى اجتماعي. في هذا الإطار، لا يمكن رد هذه الجرائم أو الأحداث إلّا للفرد نفسه، محور هذه النظرية لا بل كليتها. وبما أن تعريف المجتمع  هذا لا يقر بوجود بنى محتضنة لهؤلاء الأفراد، لا بد أن  تنسب إلى الفرد نفسه الذي يصور ذا طبيعة وحشية خاصة به.

  الأفراد، على عكس ما تفترضه هذه النظرية، ليسوا أجزاءاً تطفو في فضاء اللاشيء بل ثمةَ أنظمة وبنى اجتماعية تعرّف الأفراد وتؤثر على طبيعتهم. فإن الطبيعة البشرية ليست إلا نتاج  تفاعل الأفراد مع هذه البنى والأنظمة، كالأنظمة الدينية، الأبوية، الرأسمالية واقتصاد السوق، نظام العائلة…

  من هذا المنطلق، إن نسَبْنا الطبيعة الوحشية إلى المغتصب أو القاتل، فإننا نشير إلى تكوين الطبيعة البشرية ككلٍ على مر تاريخ الانسان، فيصبح القاتل أو المغتصب صورةً مستفحلةً لهذه الطبيعة المنتجة. و من هنا، إن تناول الاغتصاب والعنف ضد المرأة كحالات فردية يرسخ أسبابها بدل أن يعالجها. فنعيد إنتاج هذه البنى حين نستثنيها ونطهرها من هذه الحوادث، لا بل لا نقر بوجودها !

  إن العنف الأسري والاغتصاب ليسا بقضايا منعزلة. بل إنهما شديدتا الارتباط بتقدم الانسانية وتطور الطبيعة البشرية. فالقضية تتعدى نطاق مفهوم دولة القانون والعقوبات والقضاء، لترتبط بمعضلة فلسفية عن مفهوم الانسان وتكون الطبيعة البشرية، ودور ووعي الانسان في صياغة هذه الطبيعة.

Leave a Reply