في زمن الإصطفاف الطائفي، نكتب

غنى ابي غنام 

المحرر 

  من المعروف أن كل زمن يترك خلفه شظايا تاريخية تُروى على مدى العقود الآتية، ومن المتعارف عليه هو أن التاريخ يكتب المستقبل، فلا يمكن لنهضةٍ أن تتم دون الإطلاع والتعلم مما سبق.

  هنا، تجدر الإشارة إلى أنه من المتعارف عليه أيضاً أن التأريخ ليس بالسرد الموضوعي، فغالباً ما تلعب ديناميكيات السلطة دورها ليكون الأكثر قوة هو كاتب تاريخ الزمن الذي يعيش به، مما يخل بمصداقية أي تأريخ، لا بل يجعله لا طائل منه.

  فلا يمكن الحكم على معاناة الشعوب أو فهم ظروفها إلا عند الاطلاع عما تقر به أفواه الشعوب ذاتها… كون الشعب هو الأحق بسرد قصته ، فتمسي الجرائد المستقلة من المنابر النادرة التي تمثل هذا الشعب في ظل تفشي المنشورات التي تتناسب مع رواية القوي وتشتت معاناة الضعيف.

  فنحن من ولد بعد سقوط حائط برلين، وبعد معاهدات السلام مع إسرائيل، و بعد حروب المخيمات وبعد اتفاق الطائف… نحن أولاد مجتمع خائف من الوقوع بأخطاء أهله فساوى المعرفة ب”وجعة الراس”  والسياسة بالمنكر.  

  في هذا الزمن الذي لم يبقَ فيه إلا ما هو عنصري وطائفي وتطبيعي، الكتابة عن أمجاد الماضي هو تمرد بحد ذاته لأننا حينما نكتب عن شهيد/ة أو بطل/ة أو قضية منسية، نعيدها إلى الحياة ولو لثوانٍ معدودة، ونعيدها للذكرى كلما تعثر عندها قارئ،… ونحن الأحق بالكتابة عنها، لأنها أمجادنا ومعاناتنا وروايتنا…

  فنكتب على أمل أن نكسر جدران الأحكام المسبقة والعمى الانتقائي، على أمل أن تجعل كتابتنا شخصاً ما يفكر، ولو للحظة، أن الحقيقة التي ترعرع عليها، ليست بحقيقة مطلقة.      

  نكتب من أجل المستقبل الذي سيجعل منا التاريخ، فيعرف أولاد ذاك الزمن ما معنى أن تكون ولداً لعصر ما بعد الحروب الباردة والحامية، معنى أن تمشي على خطوط تماس ممحية في الظاهر فقط لتدرك أنها محفورةٌ في الأرض التي تربيت فيها، أن تربي صبية في مجتمع يتهمك بالتخلف إن تسترتِ ويستغفر ربه إن تعريتِ، أن تكوني في مجتمع خامل لا يعرف القيام ولا النضال بل يعرف أن يصفك بالتفاهة  إن قمتِ وناضلتِ.

  ففي هذا الزمن، مثلما في كل زمان، الأفكار تُبهت والخطابات تُحرَّف والمواقف تتبدل والوعود تُنتسى و الذاكرة تتقاعد، إلا أن الحبر، متى أن نشف على الورق، يبقى… ونحن واجبنا إبقائه.

Leave a Reply