بعد ثلاثة وثلاثين ذكرى سبتمبرية، ما زال إصبع الإتهام “لاجئياً”

غنى أبي غنام

محرر

 “كان المشهد مرعبا، فالجثث والأشلاء والدماء مبعثرة في كل مكان، والجرحى الذين تم التّنكيل بأجسادهم يصرخون دون مجيب، كان المجرمون يكبّلون الفتيات بالسّلاسل قبل أن يغتصبوهن بوحشية ويقطّعوا أجسادهن بالسّكاكين”. هكذا يستذكر وليد عوض مآسي أيلول ١٩٨٢ في مخيم صبرة وشاتيلا، فصراخ النساء الثاقب والأشلاء والدّمار وأطراف الأولاد المبتورة ما زالت محفورة في ذاكرة من شهدها وفي مخيلة من سمع عنها. تم فكّ الحصار الإسرائيلي وإنسحاب القوات الإنعزالية في ال-١٨ من أيلول ١٩٨٢، إلا أن ويلات المخيمات لم تنته هناك، لم تنته مع إنتهاء الحرب، ولم تنته مع اتفاقيّات السلام.

فمعاناة اللاجئ، بغضّ النّظر عن جنسيّته، باتت جزءاً مطّرداَ من الواقع اللّبناني.

ما عاناه الفلسطيني في لبنان من تحقير ولوم وتهميش اجتماعي واقتصادي في السنين السّابقة، ما زال يعانيه؛ والتحق بركب معاناته السوري. فالنقمة على اللاجئ هي نقمة عابرة للأجيال في مجتمعاتنا. فنربّى على مبدأ أن كل مآسينا نابعة من خيمة على أرضنا. فشبابُنا يهاجر بسبب اللاّجئ واقتصادنا يلامس الأرض بسبب اللّاجئ وأبسط مطالبنا عالقة في الهواء بسبب اللّاجئ، ولا يهم من أي بلد لجأ إلينا، ما يهم هو ذاك الختم على جبينه الذي يعلنه لاجئاً. ليكون اللّاجئ ذاك المتشدّد الذي أتى بحقارته وتشددّه من بلده ليفرض في بلدنا التقدّمي.

فكانوا يتّهمون الفلسطيني بالإرهاب، وكانت المذابح؛ واليوم يتهمون السّوري بالتشدّد، والوضع لا يدعو للتّفاؤل بما سيحصل في الأيّام القادمة. إلّا أّنّ الحقيقة التي يتغاضى عنها الكثير منّا هو أنّ التشدّد ليس أيديولوجيّاً أو حضارياً بقدر ما هو اندفاع ناتج عن بطون فارغة وحقوق مجرّدة. فاعتناقات وخيارات وأفعال الإنسان ليست ملكاً له بقدر ما هي ملكٌ لصاحب القوة في مجتمعه، وكلّما تفاقم الجوع وتدهورت الصّحة، كلّما سهل التّلاعب بالسلوك. فمع استمرارية إهمال الدولة، يبقى الحلّ الوحيد أمام المجموعات المستضعفة، هو الرّضوخ للقوّة المحليّة التي تلبّي حاجاتها القاعدية، وفي زمننا هذا، هذه القوّة ستكون، على الأغلب، متشدّدة.

ففي ظروف كهذه، يصبح التطرّف نتيجة وردّة فعل، وليس نهاية لمنهج فكرّي معين. ولعله عند مقارنة وضع اللاجئين في وقتنا هذا، بوضعهم في وقت المجازر التي أقيمت بحقهم في أيلول 82، يكون القاسم المشترك الوحيد هو وحودهم ككيان؛ فبغض النظر عن هوية اللاجئ، وسبب لجوءه وحال البلد الذي يلجأ إليه، يبقى اللاجئ أصل الأزمات عند الشعوب المستضيفة.

Leave a Reply