“القضية في “الأمريكيّة

غنى أبي غنام

المحرر

 

   أن تكون طالباً في الأمريكية يعني أن تجلس مستمعاً لمحاضر استنتج -بعد تأمّلٍ عميقٍ في الوضع العربي الرّاهن- أنّه لا يوجد مجال للتّفاهم مع الحكومة الإسرائلية الحالية بسبب توجّهها اليميني المتطرف، فيكون الحلّ الوحيد لإنهاء الصراع الإسرائيلي-العربي انتظار حكومةٍ إسرائليةٍ أقلَّ تشدداً تقبل التفاوض مع “الكيان الفلسطيني”.

   أن تكون طالباً في الأمريكية يعني أن تستمع لمطبّع، يحفل تاريخه بالمناصب والشهادات، يعدّد لك “أربع خطوات” لحلّ “الأزمة” الفلسطينيّة. فتصعق أذنيك كلمات “التفاوض”، “المحادثة”، “التعاون الأمني” و”تكليف مجلس الأمن”، ملوّحاً لكل خطوة بإصبع. فأن تكون طالباً في الأمريكية يعني أن تجلس بين حشدٍ يميء برأسه “نعم” لكل خطوة يتفضّل بها المحاضر، وأن تنصت لكلّ “شبه مخطّط” يقدّس الهزيمة، وأن تشعر باغتصاب قضيّة مع كل تلويحة إصبع.

   أن تكون طالباً في الأمريكية يعني أن يكون لك كل الحق بالتظاهر ضد إعطاء مساحة من أرضك، أيّ قطعة من حرمك، لأكثر المؤسسات دعماً للكيان الذي اغتصب وشرّد وقتل واحتل هذه الأرض نفسها؛ فطبعاً، أنت تلميذ تمتلك الحقّ بالتظاهر -بموجب النيوليبرالية الظريفة السائدة، إلا أن هتافاتك تستقر في الهواء ومطالبك تجد نفسها هي الأخرى وسط ملف يرتّب في أدراج ويُنسى -بعد أخذه “بعين الاعتبار”، طبعاً.

  تكون حياتك في الأمريكيّة أشبه بالاستنبات التّخديري الذي يدرّبك على التفكير أنّ القضايا التي انغرست في ذاتك منذ الولادة، بغضّ النظر عن شرعيتها، ليست إلّا أحلاماً سقطت مع كل مجزرة ونُسيت مع كل وثيقة سلام. فتقزيم عظمة القضايا وحصرها  بأعمال زعمائها هي منهجية تتقنها الأمريكية أكاديميّاً أيضاً، فتحدّ القومية العربية بكاريزما عبد الناصر وفكرة المقاومة بالمليشيات المناهضة الطّامعة، وغيرها الكثير.

   لغة السفراء والوزراء الحضارية “التّفاهمية” و”التّفاوضية” باتت لغة كلّ من ارتدى بدلة وحاضر في الأمريكيّة، وهذه اللغة لا تعرف القضيّة، ولا تُنصف شهداء القضيّة، ولا تخدم الأحياء في المثابرة عليها.

   و عندما نقيّد ملاحظاتٍ نابعةً من أفواه الداعين للتّفاوض والتّفاهم، نكون وصلنا إلى ما تخوّف منه الشهيد غسان كنفاني، ونكون غيّرنا القضيّة لأنّنا مدافعون فاشلون عنها.   

Leave a Reply