من بعبدا وإلى بعبدا تعود

غنى ابي غنام وحسين المعلم

المحرر ومحرر قضايا وأراء

 في ٣١ تشرين الأول ١٩٩٠ خرج ميشال عون مطأطئاً رأسه والخيبة تتملّكه بعد إخراجه بقوة المدافع والطائرات من القصر الذي سمّاه هو قصر الشعب. خرج هاربا إلى السّفارة الفرنسيّة بعدما أخذت حربه “التحريريّة” منعطفاً للأسوأ تمثل بالاجتياح السوري.

 بعد ٢٦ سنة، قُلب التاريخ كما تقول قناة الـ”أو تي في” ليصبح تاريخ العودة إلى القصر ١٣ تشرين الأول  بعدما كان تاريخ الخروج منه ٣١ تشرين. لم تكن العودة سهلة كما كان متوقعا. فهذا درب الجلجلة الرّئاسي الذي ظلّ يمشي فيه الجنرال مدة سنتين ونصف لم يقف إلى جانبه أحد منذ بداية الطريق سوى الحليف الذي يرى نفسه مدينا للجنرال لوقوفه بجانبه في أصعب فترات محاربته للعدوان. التزم هذا الحليف الجنرال ولم يقبل بأحد غيره رغم مناورة الخصوم لضعضعة الحلف بترشيح سليمان فرنجية، فالتزم حليف عون الأساسي بقراره، ولم يساوم على مرشّحه الأوحد.

 انسحب جعجع لمصلحة عون، رشّح الحريري فرنجية، رشّح جعجع عون، وظلّ حزب الله راسخا على موقفه. فاختلطت الأوراق مرات عدة، وتبدّلت التحالفات وختمت الإتفاقيات لترسي المراكب في نهاية الأمر على عون كالمرشّح الأنسب للمقعد الرئاسي.

 قَبِلت الأغلبية بواقع عون رئيسا للجمهورية، حتى أن سليمان فرنجية انسحب لمصلحة الجنرال وصوّت بورقة بيضاء بينما عبّر غيره عن معارضته عن طريق التصويت لـ” ثورة الأرز في خدمة لبنان”، جيلبرت زوين، ستريدا طوق، أو لميريام كلينك.

بالأمس، التأم المجلس النيابي بكافة أعضائه، فقد حضر ١٢٧ نائب من أصل ١٢٧. قرّر أحدهم ولغاية في نفس يعقوب أن يختبر صبر “العصبي”. فعند عدّ الأصوات ظهر أن صندوق الاقتراع كان يحتوي على ١٢٧ ظرف، وتكرّر هذا السيناريو لمرّتين متتاليتين.

من الواضح أنّ البعض ابتغى أن يخرج الجنرال عن طوره أمام السفراء وأمام كلّ الشعب. ولكن أعصاب هذا الأخير بقيت فولاذية ولم يأبه لهذه المحاولات، فكتب اسمه أربع مرات على ورقة الاقتراع ولم يبالِ لأنّ من انتظر ٢٦ عاماً سينتظر ثلاث ساعات أخرى حتى يعود إلى القصر.

 ما حصل في المجلس هو مهزلة تاريخية تبين عدم إحترام النواب لمناصبهم التمثيلية. فهذا المجلس المعتبر غير شرعي من قبل العديد، منهم العماد ميشال عون نفسه، برهن عن جدارة أنّه “شي فاشل” مراده اللعب واللهو، فكأنهم استوحوا من فيلم أميركي طويل وجعلوا المجلس “عصفورية” حتى صاح فيهم رئيس المجلس بما معناه “عيب شو عم تعملو قدام العالم”.

 بعد ثلاث ساعات من افتتاح الجلسة، ارتفع الدخان الأبيض من المجلس وتم الإعلان بأن لبنان صار له رئيسٌ اسمه ميشال عون ليصبح هو الرئيس الـ١٣ للجمهورية اللبنانية. كان بادياً على وجهه علامات التأثر عند نزوله من السيارة الرئاسية وكأنّه تذكّر كل حدث وتفصيل من ١٣ تشرين تاريخ الخروج من القصر حتى ٣١ تاريخ دخول القصر مجدداً.

Leave a Reply