أمّهاتٌ خلف القضبان

غنى ابي غنام

المحرر

  أربع ليال قضتها فاطمة حمزه خلف القضبان بعد أن عصت قرار المحكمة الجعفرية ورفضت التخلّي عن ابنها الذي لم ينهِ عامه الثالث. فاطمة ليست أول امرأة تحرم من ابنها ولا أول ضحية للقضاء اللبناني المجحف بحق المرأة.

  قصة فاطمة تشهد على أن المضايقة، الإساءة، والإرهاب الجسدي والعاطفي خيارات أرحم لدى المرأة من الانفصال عن الزوج. فلا العائلة ولا المجتمع ولا الشّرع ولا مؤسّسات الدولة ترحم المرأة المطلّقة، فإمّا البقاء تحت رحمة زوجها أو النوم بين جدران أربعة بفعل قرارات المحاكم، شرعيّة كانت أو تنفيذية.

  بعد قرار زوج فاطمة بالزواج من امرأة أخرى، احتمى هذا الأخير خلف المحكمة الجعفرية التي أصدرت حكماً بمنح حضانة طفلهما للأب، وعندما دَفع حسّ الأمومة فاطمة لرفض هذا القرار والتّمسك بابنها، لاقت السجن مصيراً لها.

  يُبرهن القضاء اللبناني في خطوته هذه أنه الخطر الأكبر على نسائنا، فهو ليس إلا وسيلة  لتخليد نظام يضطهد ويغتصب ويقتل. لكنه ليس بداية المشكلة، فالمشكلة تبدأ مع القواعد الاجتماعية التي تربط الأمومة بالصّبر والتضحية، تبدأ مع كل قصيدة وقصّة وفيلم وقول مأثور يروّج لفكرة فداء الأم وتضحيتها بنفسها في سبيل أولادها وعائلتها. فمعيار الأمومة المثالية هو التضحية وحرمان النفس في خدمة الغير و”العض على الجرح” كرامةً للزّوج والطّفل والأب، هذه هي البداية. والمجتمع الذي يحاسب المرأة بحسب هذا المعيار هو حبسٌ قبل أن يكون حبس القاضي جعفر كوثراني حبسًا.

عندما نتعامل مع حرمان الذات وتحمّل الظلم على أنه فضيلةٌ وواجبٌ تشترطه وظيفة الأم أو الزوجة، تكبر فتيات المجتمع في ظل عقلية عنصرية وموازين اضطهادية ويجدن أنفسهن سجينات لهذا المجتمع وفكره. فاطمة، كمثال، انتفضت في وجه الشّرع والدّولة دفاعاً عن حقّها كأمّ، حق أعطته لها الإنسانية قبل القوانين، إلا أنّها وجدت نفسها ضحية هي الأخرى لنفس المجتمع. هذا المجتمع لا يرحم، فأسسه القائمة على كل أنواع التمييز والإساءة تجعل المرأة أمام خيار الرّضوخ أو التهميش، بين سندان حقّ شرعي ومطرقة فكر اجتماعي مختل الموازين.

  

Leave a Reply