قومية الأبيض المضطهد تنتفض

غنى ابي غنام

المحرر

  المعارك السّياسية الحاليّة تسقط، واحدةً تلو الأخرى، في أيدي اليمين المتطرف. فبعد بريكسيت والولايات المتحدة وفرنسا قريباً، يجد اليساري والليبرالي والتّقدمي والحياديّ نفسه عاجزاً عن فهم السبب الذي يقود العالم بأسره إلى الوراء، إلى “الرّجعية”. عاجزاً عن إيجاد الدافع الذي حث حوالي ثلاثة وستين مليون مواطنًا ومواطنة للاستيقاظ باكراً يوم الإثنين الماضي والانتظار في الصف للدخول خلف الستارة وكتابة اسم من جعل من الزينوفوبيا برنامجاً انتخابيًا له على ورقة الاقتراع.

 يبرر البعض تصرف الستة وثلاثين مواطناُ على أنه ردّة فعل لاستياء الدّهماء من الازدواجية الحزبية السّائدة، أو عدم وجود بديل قوي، أو التمييز الجنسي الضمني -أي السقف الزجاجي. فيما يشير آخرون بأصابع الاتهام إلى روسيا والوكيليكس أو جايمس كومي وال-FBI.

 إلا أنه هناك من يقرأ هذه النتيجة كانتفاضة لمن يطلقون على أنفسهم اسم “الأكثرية الصامتة” التي تترحم على أيام سيادة البيض (white supremacy). وإذا ما ركزت التّحاليل على العامل الأميركي النموذجي -أسير روتين الحلم الأميركي الشهير- الذي قرّر التصويت للمرشّح المتطرّف، نجد أن ما حصل يوم الإثنين الفائت هو مطلع قومّية عرقيّة جديدة. فبعد ثلاثة عقود من سيطرة الازدواجية الحزبيّة على البيت الأبيض يأتي اليوم لاعبٌ ثالثٌ، لاعبٌ حشر نفسه مع أعوان السّياسة ليعيد تعريف معنى “أن تكون أمريكياً”. طبعاً في البداية كانت الهوية الأمريكية تعني التنوع وتقبّل الآخر والحرية والليبرالية و-“تحرير دول العالم الثّالث” و”تصدير الديمقراطية إلى الشرق” وغيرها من بروباغندا النّخبة السّياسية الأمريكية من كلينتون إلى بوش. إلا أنّ هذا التعريف بات يتناقض مع ما يعني أن تكون أمريكياً لدى العامل الأميركي النموذجي. فالدّيمقراطي يرفض وصول مرشحة من عائلة نخبوية للسلطة مدعومة من أموال سعودية ويحفل تاريخها بالفضائح، فهذه هي المنظومة التي تقوم “الأكثرية الصامتة ضدها”.

  أميركا الجديدة هي أميركا قائمة على مبادئ تليق بشعب مقتنع بتفوّقه على سائر الأعراق، شعب سئم تقديم “شهداء” لـ”تحرير بلدان العالم الثالث” وسئم دفع الضرائب لتمويل حروب في “الجزء الدّاكن” من العالم. فالولايات المتحدة التي باتت قابعة وحدها على عرش العالم منذ الـ-١٩٩٠، التي أعادت توجيه سياسة واقتصاد العالم بأسره إلى قطب واحد، يطمح شعبها بهويّة تضمن “أنا جماعية” أرفع مقاماً، فالعبارات الفاتنة كالتّعايش وتقّبل الآخر ما عادات تعنيه، العظمة التي تليق بهذا القطب “العظيم” هي ما تعنيه، ومن المنطق الجذري أن تتجسّد الرأسمالية والعنصريّة الضّمنيّة لسياسة الولايات المتحدة الخارجية بقوة رأسماليّة وعنصريّة متمثّلة بالرئيس الجديد.  

 وفي عالم حديث عابر للحدود تحتّل معظم نشرات أخباره أنباءً عن تحركات إرهابية ومواقف متطرفة يحتاج شعب هذه القوة العظيمة أن يصوت لمن سيبني حائطاً يفصله عن كل هذه التهديدات التي تزعزع واقعه الوهمي، لمن سيرقى بالحلم الأمريكي لأعلى أفق من آفاق الرأسمالية، لمن سيعيد تعريف عظمة القومية الأمريكية البيضاء.

Leave a Reply