إلى إنسانيةٍ صماء ..

محمد السعيد المسعد
كاتب صحافي

في عالمنا الحالي يتساوى الجلوسُ في ضوضاءٍ شديدةٍ بالجلوسِ في هدوءٍ تامٍ. قد يزعجك صوتٌ حادٌ عالٍ شاذُ النغماتِ، أو يزعجك بعضُ أناسٍ يصرخون، لكن إذا ما تعالت الأصواتُ وتكاثرت واشتبكت، فإنك تفقدُ قدرتك على تمييزِ الأصواتِ، وتصبحُ الضوضاءُ حينها حالةً من الفراغِ الذي لا تتنبه فيه لشئٍ كاللاصوتِ تماماً.

هنا وهناك يصرخُ آلافُ البشرِ للنجدةِ.. للحياةِ.

الأزمةُ لم تعد تكمن في أنهم لا يصرخون بالصخبِ الكافي لكي يُسمَعُ صوتُهم في أيٍ من جوانبِ الأرضِ، بل في أن السّاديةَ تفشت، والمعاناةَ احتدت، وشرع المنكوبون في كل نحوٍ من الأرضِ يصرخون غوثًا وهلعًا كالمخلدين في الجحيمِ، حتى بلغت طاقةُ حناجرِهم أقصاها من العلوِ، وتداخلت صرخاتُهم، وغلّفوا الأرضَ بضوضاءٍ لم تعد تتمكن إنسانيتُنا الضعيفةُ في أثنائها من أن تميز صوتًا واحدًا في أي مكانٍ وتتجه لمساعدتِه. فصارت تتخبطُ متألمةً من أجلِ المتألمين، ثم أضحت تعتادُ هذه الضوضاءَ ولا تؤلمُها. وفي النهايةِ أصيبت إنسانيتُنا جميعاً بالصممِ، فلا ضوضاءٌ تأتينا من أعماقِ الجحيمِ ولا هدوءٌ تامٌ يختلفون.

Leave a Reply