الفن الشعبي المصري: خبز الفقراء على مائدة الأغنياء

نضال خلف

محرّر قسم الثقافة والفن

يختلف الناس في تحديد أسبقيّة التأثير بين الثقافة والمجتمع؛ فالبعض يرى في الثقافة مرآةً للمجتمع، فيما يذهب آخرون الى اعتبار الثقافة أداة توجيه وتشكيل لقيم المجتمع ومفاهيمه. وأياً كانت الأسبقيّة، يبقى أن العلاقة ما بين الثقافة والقيم الاجتماعية علاقة تفاعلية إلى أقصى الحدود. وفي هذا السياق، يعتبر الفن الشعبي من أكثر الفنون تأثراً وتأثيراً في المجتمع، وذلك لكونه يُخلق من رحم الشارع لا القصور. لكنّ الظاهرة التاريخية التي ما انفكّت تلازم الفن الشعبي هي القدرة على الانتشار في أوساط طبقة “القصور” بقدر انتشاره في الأحياء الشعبية. وكذلك هو حال الفنّ الشعبي المصري الذي يشهد انتشاراً واسعاً حتّى خارج مصر، فما عاد مستغرباً أن تُسمع أغنية شعبية مصرية مثل “الدنيا زيّ المرجيحة” في أزقّة  شارع الحمرا في بيروت!

انطلقت الأغنية الشعبية المصرية (بمفهومها الحالي) في بداية القرن العشرين وبالتوازي مع التغيّرات السياسية والاجتماعية التي شهدتها مصر في تلك الفترة. فمن مواكبة الثورات ضدّ الاحتلال البريطاني الى تحفيز الانتقال من الملكية نحو الجمهورية، عبّرت الأغنية الشعبية عن لسان حال فئة من المجتمع لطالما كانت مغيّبة بفعل سيطرة الطبقة الأرستقراطية وتوابعها على الإنتاج الثقافي للبلاد. وقد تحوّل هذا الإنتاج الى التعبير عن لسان حال سكّان الأحياء الشعبية (والعشوائيات فيما بعد) وحتّى أنها وصلت الى التعبير عن أحوال سكّان المقابر و”أبناء الشارع” الذين تتزايد أعدادهم بالملايين في مصر. وقد تزامن انتقال الفن من القصور الى الشارع مع ظهور قامات فنيّة مثل سيّد درويش وبديع خيري وغيرهما ممن أسّسوا لنهج الأغنية الشعبية التي تحوّلت فيما بعد الى حجر الأساس للأغنية العربيّة على صعيد اللحن والتركيبة الموسيقية.

وبعد أن كانت الأغنية الشعبية المصرية تحاكي الفقر وثورة سعد زغلول ومفهوم التحرّر الوطني، تحوّل مضمون الأغنية الشعبية اليوم الى التعبير عن الأزمات الشخصية التي يعانيها أبناء الطبقات الفقيرة في مصر بشكل مشترك. مثلاً، تتناول هذه الأغاني مفاهيم غدر الزمن والفقر والحاجة وخيانة الأصحاب والمخدّرات والعلاقة بين الرجل والمرأة وعلاقة الإنسان بالله، وغيرها من المواضيع التي تشكّل صلب اهتمامات جيل الشباب في هذه الأحياء. وكل المواضيع يتمّ تناولها بلسان هذه الطبقة التي غالباً ما تفتقر للوعي والثقافة اللازمتين لفهم جوهر الأزمات وأسبابها، فتمسي الأغنية مجرّد تعبير عفوي وبسيط عن النهج الفكري الذي تعتمده هذه الفئة لقضاء يومها بسلام في ظلّ غياب أبسط أشكال الحياة الكريمة. وسؤال “كيف يمرّ النهار؟” ما يزال لغزاً محيّراً لمن يعرف الواقع المعيشي لهذه الطبقة من المجتمع.

ومع إدخال اللحن الحديث السريع والراقص، لم تعد الأغنية الشعبية حكراً على الطبقات التي خرجت منها، بل أمست أغاني مسموعة عند الطبقات الغنيّة، وخصوصاً عند فئة الشباب. ولكنّ استقبال هؤلاء لهذه الأغاني يختلف عن استقبالها من قبل أبناء الأحياء الشعبية. فالطبقة الشعبية ترى في هذه الأغنية ما يمثّل ألمها ويعبّر عن حالتها، وبالتالي ترقص هذه الطبقة على “لحن ألمها” بحرفيّة التعبير. أما طبقة “القصور”، فهي تستقبل هذه الأغنية من منطلق “استشراقي”، والمقصود بالاستشراق هنا هو حالة الانجذاب الى ثقافة “دونيّة”(بنظر المستشرق) غريبة عن الفرد. وبالتالي، تنظر طبقة القصور الى هذه الأغاني من بوابة الإعجاب بما هو غريب وجديد ويحوي لحناً راقصاً. أما من ناحية “المزاج” الذي تنتجه هذه الأغنية لدى سماعها، فمن السهل ملاحظة أنّ طبقة “الشارع” ترقص على وقع ألمها لحناً ومضموناً، فيما تنتشي طبقة “القصور” باللحن السريع الراقص دون اكتراث بمضمون الأغاني الذي لا يمتّ الى هذه الطبقة بصلة (أو لعلّه يفعل، بأسلوب غير مباشر).

وفي الختام، تتميّز مصر بلقب “أم الدنيا” نظراً لحضارتها السابقة لكل الأشكال الحضارية البشرية، وهي ما زالت تقدّم الي اليوم غزارة ثقافية وفنيّة، كالأغنية الشعبية. هذه الأغنية التي خرجت من رحم المعاناة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لتعبّر عن فئة مقهورة ترقص على ألحان أوجاعها، حتّى أصبحت هذه الأغنية “خبز الفقراء على مائدة الأغنياء”.

Leave a Reply