القرى السبع:على هامش النسيان

ميرنا حسين

وفي الذكرى المئة من “وعد بلفور” الذي ينص على منح اليهود وطنًا لهم في فلسطين، أعادتني الذاكرة إلى كلمات جدي الذي طالما كان يحدثني عن قضية حق ومطلب. كان لا ينفك يروي لي مشوار طفولته و صباه الذي قضاه على أراض ومروج المالكية؛ و هي إحدى القرى السبع المنسلخة عن لبنان. وكان يكمل الحديث عن الخيرات الوافرة في تلك الأراضي الزراعية الخصبة التي ما بخلت بحصادها المثمر يومًا.

كان أهالي القرى السبع (طربيخا ، صلحا، قذس، المالكية، إبل القمح، هونين و إقرط) يرتادون الأسواق الفلسطينية واللبنانية على السواء لتصريف بضاعتهم. ولعل في هذا الأخير، تناغم لعلاقة وثيقة للبنان بفلسطين؛ علاقة جياشة لم يقدر لا بلفور ولا الصهاينة من إخمادها.

إضافة إلى هذا، فتراث لبنان الغني يمتد من أقصى شماله الأبي ليصل إلى جنوبه الصامد؛ فالكاتب فايز الريس يقول في ثروة تلك القرى : “لا يخفى ما لآثار قدس ومرجها المعروف كأحد أهم مروج جبل عامل من قيمة، ثم قلعة هونين ومسجدها وموقعها الاستراتيجي الذي يطل على سهل الحولة، وجبل هونين الذي ورد على ألسنة الكثير من المؤرخين والأدباء بأنه كان أحد المقاطعات الجنوبية الأربعة في جبل عامل، وآثار طيربيخا الرومانية والفينيقية اكثر من أن تحصى أيضاً”. “

ولعلّ أبرز ما قبع في ذهني من رواية جدي هو معركة المالكية البطولية التي دارت بين الجيش اللبناني و العصابات الصهاينة التي بدأت في ليل الخامس عشر من أيار لتنتهي في أواخر تشرين الأول 1948

باجتياح الغاصب الإسرائيلي للقرى السبع بعد أن شنّ معارك جوية وبرية مكثفة.

عندها صمت جدي و الغصة تخطف منه الكلمات؛ ثم أكمل: “لقد سلبوا منا أغلى ما نملك، أخدوا الأرض يا جدي”.

و يجدر بي أن أذكر الشهداء الباسلين من الجيش اللبناني ولا سيما النقيب محمد زغيب، الذي روى بدمائه قضية وطن، التي ما زالت ترتوي حتى يومنا هذا من دماء مقاومة الاستعمار الإسرائيلي.

وبعد إجماع معظم المؤرخين على أن القرى السبع جغرافيًا هي قرى لبنانية بحتة ومنْح الجنرال غورو أبناء هذه المناطق هويات عن دول لبنان الكبير؛ للأسف وقعت بعدها هذه القرى ضحية تقسيمات لأصحاب الامتيازات والمصالح البريطانية والصهاينة في اتفاقية الحدود عام ١٩٢٢.

أمّا في واقعنا الراهن، فمنذ أن أعلن الرئيس الراحل بشير الجميل على الدعوة إلى لبنان الـ 10452 كيلومترًا مربعًا، عبّر جلياً على أن مساحة لبنان تشمل القرى اللبنانية السبع أيضاً. لكن بالرغم من التأييد القلبي للقضية، فهناك غياب للتأييد العملي.

يوجد عدد لا بأس به من أهالي القرى السبع المحتلة لا يحملون الجنسية اللبنانية؛ إذ لم يشملهم مرسوم الجنسية لسنة ١٩٩٤. و ما لا يقلّ أهمية عن ما سبق هو عدم تسجيل قيود أهالي القرى السبع في سجلات النفوس العائدة للمناطق التي هجروا منها؛ أي قراهم المحتلة، بدلاً من تسجيلهم في سجلات المناطق التي هجروا إليها، بحيث يُنشأ سجل نفوس خاص لكل قرية من القرى المحتلة يحتوي وقوعات قيود أبنائها و هذا ما يوطّد العلاقة بين أبناء هذه القرى و أراضيهم و القضية.  

و أبرز ما ذكر صبحي ياغي في تحقيقه عن القرى اللبنانية السبع المحتلة: ” أكّد رئيس “الجمعية الاجتماعية الثقافية لأبناء القرى السبع” حسين عبد الحسين قاسم بأن آمال الأهالي كبيرة في استعادة أراضيهم، ودعا الدولة إلى متابعة هذا الموضوع من الناحية القانونية في المحافل الدولية”.

و في ختام حكاية جدي؛ تنهدت قليلًا وبدأت أصارع الانفصام الذي اختال داخلي؛ فلأي قرية أنا أنتمي؟ فهل أقول المالكية وأبدأ بشرح قضية أخرسها بلدي لبنان؛ أم أكتفي بالقول أنّي من صور وعلى الدنيا السلام؟

فأخيرًا عانقت جدي علّي أواسيه شوق العودة ومن ثمّ هتف بأذني قائلاً :” إذا يا جدي ما عشت لأرجع عأرضنا، انشالله انتو بترجعوا وشفتي هيدي الأراضي الخضرا…هيدي هي القرى السبع اللبنانية”.  

Leave a Reply