حرية التعبير وخطاب الكراهية

زين العابدين غبولي

تبنى المجتمعات العظيمة على الاختلاف، على التنوع، على الحرية والعدالة. سنة البشرية أن تبنى قواعد الأمم على أساس كل هذه القيم. سنة البشرية أن يتعلم الإنسان من الآخر الدفاع عن القضايا العادلة، عن حرية الآخر وحقه في الوجود. لهذا، الإيمان بحرية التعبير ليس اختيارًا وإنما واجبًا إنسانيًا لكل من ينتمي لهذه البشرية، لكل من يضع اعتقاداته جانبًا عندما تمس كرامة الآخر وإن اختلف معه في كل الأسس، دينية كانت أم عرقية، مذهبية أو أيديولوجية. لكن، الفرق بين حرية التعبير التي تضمنها الدساتير العادلة، ويضمنها الحق الإنساني في الاختلاف، وبين خطاب يدفع إلى مزيد من الانقسام، مزيد من التشتت في منطقة هي أصلاً مشتتة هو خيط رفيع جداً؛ وبكل تأكيد، لا يمكننا أن نتعدى هذا الحد باسم الحق في الاختلاف، لا يمكننا أن نأخذ بيد خطاب الكراهية حاملين لواء “حرية التعبير” كحجة وكدفاع، ولا يمكننا قطعاً أن نتجاوز خطوط التقبل الحمراء، وأن نرفض الآخر باسم الحفاظ على الهوية.

كمؤمن بحرية التعبير، أؤمن بأن لكل إنسان الحق في قول ما يريد طالما أنه لا يمس الآخر بأي ضرر وطالما أنه يتحاور في إطار مدني وحضاري. لقد رأينا في الأيام القليلة الماضية، كطلاب في الجامعة الأمريكية في بيروت، انقساماً لعله الأول الذي لاحظه الكثيرون منذ دخولهم من بوابة “الماين غايت” إلى جامعة من المفترض أن تكون حامية لحق الآخر في الاختلاف؛ انقسامًا بين طرف يرى في المثلية الجنسية موضوعاً “قابلًا للنقاش”، وبين من يؤمن بقيم هذه الجامعة، ولعل من أهمها منع التمييز على أساس الجنس والتوجهات الجنسية. لستُ هنا لأتحدث عن حدث ألغي وإنما لأسلط بعضًا من الضوء على شبه أزمة مفاهيم وجدتها مثيرة للاهتمام، وعلى ذاك الخيط الرفيع الذي يفصل بين “حرية التعبير” و”خطاب الكراهية”. نعم، أؤمن، كأي طالب هنا في جامعة مبنية على حرية التعبير، في التنوع وخصوصًا التنوع الثقافي وحق الاختلاف في الرأي كوني أعتبر التنوع ثراءً، والاختلاف لا يفسد للود قضية؛ لكني كغيري، أرسم، في منطقة تعاني من ويل الصراعات الناتجة عن رفض الآخر، خطًا واضحاً بين ما يحق للآخر قوله كونه لا يؤمن بنفس ما أؤمن به، وبين ما لا يجدر به أن يقوله لأنه خطأ، ويضع الآخر في خطر. المثلية الجنسية ليست موضوعاً قابلاً للنقاش إلا من جانب واحد وهو كيفية تقديم مزيد من الدعم للمجتمع المثلي ليخرج من دائرة الكراهية التي يفرضها البعض عليه. غير ذلك، فإن محاولة “تقويم” هذا المجتمع كونه “ينافي الطبيعة” في نظر البعض ليست إلا محاولة للمس بهذا المجتمع، ولعله لا يكفيه ما لاقاه من رفض وكراهية حتى الآن، وجعله هدفًا سهل المنال في مجتمعات ما أبسط أن يتعرض لكرامة وحتى حياة الإنسان فيها إن هو خالف تلك “الهوية” التي رسم البعض حولها قيوداً مضرجة بدماء الضحايا الأبرياء.

لا يتعلق الأمر بالمجتمع المثلي فحسب، فليس هذا الأخير إلا سببًا من بين عدة أسباب. الأمر يتعلق بعدم تمييزنا بين حقنا في قول “لا أؤمن بما تؤمن به” وبين إصرارنا على قول “ما تفعله غير طبيعي وينافي الأخلاق” متناسين أننا لسنا آلهة لنحكم على الآخرين، وأننا لسنا في مقام يسمح لنا بالتقرير حول ما هو طبيعي وما هو العكس. ثم إن تحويل النقاش من “الحق في الاختلاف” إلى “الأخلاق” هو خطأ آخر فما هو أخلاقي لشخص هو غير أخلاقي للآخر، وما هو طبيعي لأحدنا هو منافٍ للطبيعة في نظر الغير؛ لهذا فإننا لسنا مطالبين، ونحن الذين ندرس في جامعة تتيح لنا أن نكون من نكون، بتقرير حياة الآخر ولا بلعب دور “المصلح” لأنه في الحقيقة لا أحد يحتاج إلى الآخر ليصلح له حياته الشخصية، بل إن هذه الرغبة في الإصلاح هي إهانة للتنوع، وتدمير للثراء.

حرية التعبير لا تشمل خطاب الكراهية، حريتك تتوقف عند حق الآخر في الوجود، ولو كان وجوده يخلق في نظرك “أزمة هوية” فالهوية نسبية. لسنا هنا “لتقويم أحد” فتلك ليست مسؤولياتنا في مجتمع جامعي أفراده بالغون، مسؤوليتنا هي احترام حق الآخر في الوجود والدفاع عنه وإن اختلفنا معه، وإن عارض ما نؤمن به، لأن فكر الحقيقة المطلقة الذي يتبناه البعض أوصلنا إلى مجازر دموية في كل ربوع هذه المنطقة؛ وكطالب في هذه الجامعة، أرفض أن تتحول من مكان لتنفس الحرية المقموعة في كل جزء من هذه المنطقة الأليمة، إلى مكان اصطياد لمن لا يؤمن بما لا أؤمن به، ولمن يرفض أن يصطف معي في نفس وجهة نظري الأيديولوجية، ولمن يقول لا حينما أقول أنا نعم والعكس. على أولئك الذين يؤمنون بأن حرية التعبير تشمل كل شيء أن يعيدوا النظر قليلاً، فحرية التعبير لا تعني أن أقف إلى جانب التاريخ النازي، ولا أن أصطف في موقف فاشي، ولا أن أقول أن اليهود يستحقون ما جرى لهم، ولا أن أصدح بدعمي للاحتلال بكل معانيه وفي كل ربوع العالم، وبالطبع، وأشدد على هذه النقطة، أن أرفض حق الآخر في الوجود سواء عن قصد أو عن غير قصد، سواء بفتح نقاش حول ما يعتبره العلم أمراً محسوماً أو بفتح حديث جانبي حول “مرض” أحدهم لأنه مختلف. حرية التعبير تقف عند حد “لا أريدك لأنك مختلف”، لأنه هنا تجاوزنا مسألة الحرية وأصبحنا في مسألة الرفض، تجاوزنا مسألة التعبير عما نؤمن به وأصبحنا في مسألة نبذ الآخر.

في النهاية، لست هنا إلا لطلب الحق في الاختلاف؛ نعم لك أن تكون من تريد، ولا يضرني اختلافك معي مادمت تؤمن بحقي في الوجود مثلك تماماً. إلا أن سعيك لرفضي أو رفض من يختلف عنا كذلك هو خطأ، وليتنا ندرك حجم الكوارث التي نتجت من هكذا خطأ. لا يمكننا أن نثير حساسيات في قلب مجتمعات هي أصلًا غير مستقرة ثم نتحجج بحرية التعبير، أو بـ”الهوية” التي يعلم التاريخ كم من الأرواح سقطت باسمها، وباسم “الدفاع عنها”. لا أؤمن بتاتًا بـ”الهوية الجامعة”، بل أؤمن بهوية الاختلاف، بهوية التنوع، وبهوية أصنعها أنا وأنت، ويصنعها الاحترام رغم الاختلاف؛ أما السعي وراء تقييد الآخر بحجة “الدفاع عن ثوابت الأمة” أو بحجة “الأخلاق والطبيعة” فهذا علمنا التاريخ أنه لا ينفع، وأن الوجود هو حق ولو أنكره البعض، واحترام هذا الوجود في الحقيقة، ليس إلا واجباً تفرضه علينا الإنسانية، نحن الذين نعيش في الاختلاف ونرفض أحيانًا الاعتراف به.

Leave a Reply