النوادي السياسية في الجامعة الأميركية إلى العلنية: خطوةٌ على طريق العمل الطلابي الفاعل

نضال خلف

محرّر قسم الثقافة والفن

انطلقت يوم الأربعاء الماضي “زاوية المتّحدثين” من جديد في الجامعة الأميركية، حيث اجتمع عددٌ من طلّاب الجامعة لمناقشة قضيّة خروج النوادي السياسية في الجامعة إلى العلن. وقد تزامن هذا النقاش مع “الغرامة” المالية التي فرضتها وزارة العدل الأميركية على الجامعة بسبب “تدريبها” أفراداً يعملون في مؤسّسات تابعة لحزب الله، مما أدى إلى تساؤلات عديدة حول مستقبل القيود التي قد يفرضها التزام الجامعة بالقرارات الأميركية على حريّة المعتقد السياسي في حرمها. وقد تنوّعت آراء الطلاب بين مساندٍ لخروج النوادي السياسية إلى العلن ورافضٍ لهذا الخروج لما يحمله من تأثير على “صورة” الجامعة والعمل الطلابي داخلها. لكنّ النقاش حول هذه القضيّة لا بد أن ينطلق من فكرتين أساسيتين، ألا وهما: مدى استقلاليّة الفكر السياسي لطلّاب الجامعة عن تأثير “السياسية خارج الجامعة”، وفعالية العمل الطلابي في الجامعة اليوم.

بدايةً، إن النظر إلى الجسم الطلابي الجامعي على أنّه كيانٌ منفصلٌ عن الواقع خارج الجامعة هو أول خطأ قد يقع فيه أي رأي في هذا الموضوع. إذ يكفي أن يسير المرء شارعاً أو شارعين إلى شمال أو شرق أو غرب شارع “بلس” ليرى أعلام الأحزاب السياسية اللبنانية تغطّي الحجر والبشر على حدّ سواء. وبالنظر إلى الصورة الأكبر، فإن طلّاب الجامعة الأميركية هم أبناء هذا المجتمع، بتنوّعه السياسي والعقائدي والاجتماعي والطبقي. وبالتالي، فإن صورة “طالب” الجامعة الأميركية السامية والمنزّهة عن “المجتمع الطائفي المتخلّف” هي تشويه لواقع العلاقة العضوية ما بين الشعب والنظام السياسي-الاجتماعي في لبنان. لذلك، فإنّ الانتماء إلى الأحزاب السياسية الموجودة على الساحة اللبنانية ليس أمراً عجيباً ولا معيباً، بل هو جزء من الواقع السياسي في البلاد. وهذا ما يدفع العديد من الطلاب إلى مساندة فكرة خروج النوادي السياسية إلى العلن بدل التخفّي وراء أسماء وهميّة.

لكنّ خروج النوادي السياسية إلى العلن لا بدّ أن يترافق مع “هدف” سياسي-طلّابي يُضفي على هذا الخروج بُعد الإفادة والاستفادة، وهذا الهدف هو العمل الطلّابي الفاعل. والعمل الطلّابي هو النشاط السياسي الذي يقوم به طلّاب الجامعة بغرض تشكيل قوة ضغط تساهم في تحديد وتحقيق أهداف الطلاب داخل الحرم الجامعي وخارجه. وقد شهدت الجامعة الأميركية، إلى جانب العديد من الجامعات في لبنان، أمثلة حيّة على العمل الطلابي الفاعل خلال فترة سبعينيات القرن الماضي. لكنّ السؤال البديهي الذي يطرح نفسه في هذا المجال هو: كيف يستطيع العمل الطلابي الموازنة ما بين مصالح الطلاب داخل الجامعة ومصالح الأحزاب خارجها؟ وهو سؤالٌ يُعدّ من أسس النقاش القائم.

فبالنظر إلى الواقع السياسي اللبناني “خارج” أسوار الجامعة، من السهل ملاحظة غياب الفكر التغييري على صعيد الأحزاب بسبب سيطرة هواجس الوجود والخوف من الآخر، بالإضافة إلى واقع لبنان كساحة رسائل سياسية في اللعبة الدولية. هذا الواقع يجعل من فكرة التحزّب السياسي للفرد عمليّة “زيادة عدد” بعكس الدور الحقيقي للأحزاب السياسية في تخريج وتعبئة أفراد قادرين على اكتساب عقائد وتطويرها. وفي جوّ من المصالح الاقتصادية والاجتماعية المشتركة، يتّجه الأفراد-بمن فيهم عددٌ كبير من طلاب الأميركية-إلى الأحزاب السياسية كرقعة “أمان” اجتماعي يرافقها في بعض الأحيان عامل الأمان النفسي الذي تضيفه الأيديولوجيا على الفرد والجماعة. وهكذا، فإن الانتساب إلى الأحزاب يتراوح ما بين المصلحة الاجتماعية-الاقتصادية وبين القناعة بفكر معيّن سواءً كان متوارثاً أم جديداً، والتقليل من أيّ من هذين العاملين أيضاً يفقد الرأي بعضاً من الصواب.

لكنّ الدخول الى الجامعة الأميركية يقدّم فرصة “الاحتكاك” بين “الأنا” و”الآخر” في ظلّ مشاركة الأفراد المتنوعين لواقع وجودهم في الجامعة كطلاب، مما يفتح المجال أمام تشارك الهموم والطموحات في هذه التجربة المتشابهة بينهم. وانطلاقاً من هذه الفكرة، تُشدّد العديد من الآراء الطلابية على ضرورة “فصل” العمل الطلابي عن الخلافات السياسية خارج أسوار الجامعة من أجل التركيز على المصالح المشتركة للطلاب. لكنّ إغفال الخلفيات السياسية والاجتماعية المتنوعة للطلاب هو أمرٌ شبه مستحيل، وهو يُعدّ اختباءً خلف الإصبع، وذلك لأن عمليّة تكوين الرأي لدى الفرد ليست وليدة لحظة، بل هي مسار من تكوين المفاهيم والقدرة على التحليل، وهي مسارٌ يتأثّر بالعوامل الاجتماعية والنفسية والسياسية المحيطة بالفرد.

لهذا وأكثر، فإنّ خروج الأحزاب إلى العلن هو خيارٌ أفضل من الاختباء خلف الأسماء المستعارة، لكنّه ليس الحلّ بعينه. فعلانية الأحزاب تهدف أولاً إلى الاعتراف بالواقع السياسي القائم في الجامعة، وبالتالي، تُصبح الخطوة التالية هي الحاجة إلى تنظيم التفاعل بين هذه الأحزاب بما يجعل الحوار قائماً على صعيدين: الأول هو مصلحة الطلاب بحيث ينشط العمل الطلابي لتحقيق أهداف الطلاب وتكوين كتلة ضغط تراقب وتحاسب الإدارة؛ والثاني هو التفاعل حول القضايا السياسية الكبرى التي لن تحلّها جلسةٌ في back caf أو في أي صف دراسي، لكن يكفي أن يعتاد الطلاب على النقاش البنّاء الذي يكشف نقاط الضعف ونقاط القوة في كل رأي من الآراء الموجودة، وهو ما يساعد على تطوير الفكر و”الوعي” بوجود الآخر. وبعد الظهور والتطوّر، يرتقي العمل الطلابي تلقائياً إلى مستوى فاعل يستطيع فيه أن يؤثر بمسار الجامعة الذي يغيب الطلاب عن تحديد مستقبله بشكل شبه تام.

وإذ تُعدّ تجربة “زاوية المتحدّثين” فكرة بنّاءة لتنظيم التفاعل السياسي والأيديولوجي في الجامعة، فإنّ الحاجة إلى خروج الأحزاب السياسية إلى العلن هي خطوة ضرورية على طريق تكوين عمل طلّابي فاعل في الجامعة.

Leave a Reply