فيلم “محبس”: محاكاة للصور النمطية بين لبنان وسوريا

نضال خلف

محرّر قسم الثقافة والفن

تتّسم المنطقة المعروفة اليوم بالشرق الأوسط بتاريخ حافل من الأحداث السياسية التي كان لها أثرٌ بالغٌ على الصعيد الاجتماعي والثقافي لشعوب المنطقة. وكذلك هو حال العلاقة بين لبنان وسوريا، والتي شهدت تقلّبات وتغيّرات كبيرة منذ بزوغ فجر القرن العشرين وحتى اليوم. فإلى جانب العوامل الثقافية والاجتماعية المشتركة أو المتناقضة التي خلّفتها حقبة الاستعمار بين البلدين، شهدت العلاقات اللبنانية السورية شرخاً كبيراً على الصعيدين السياسي والشعبي-الاجتماعي خلال الحرب الأهليّة اللبنانية. واستمرّت العلاقات في تشابكها وتناقضها خلال مرحلة الانتشار العسكري السوري المباشر على الأراضي اللبنانية، إلى أن انسحبت القوّات السورية من لبنان عام 2005. لكنّ الخروج العسكري السوري من لبنان لم يُطفئ أزمة العلاقة بين البلدين وإن اختلفت الأساليب ومراكز القوى. أما اليوم، ونتيجة الحرب السورية الدائرة، اتّخذت العلاقة الجدلية بين لبنان وسوريا نهجاً تصاعديّاً تمثّل في قضيّة اللجوء السوري في لبنان والذي زاد من درجة “الإحتكاك” بين شعبين اللذان يحملان تاريخاً حافلاً من العلاقات المتأرجحة بين المصاهرة والقتل. أن ميزة العلاقات السورية-اللبنانية تكمن في ترجمة التحولات التي شهدتها على صعيد الطبقات السياسية بين البلدين إلى أزمة صور نمطية بين الشعبين.

ومحاكاة قضيّة اجتماعية شائكة مثل قضيّة الصور النمطية بين شعبين ليس بالأمر السهل على الفنّ في هذه المنطقة، وذلك نتيجة الحساسيّة البالغة التي قد تثيرها هذه المحاكاة في جمهور لم تُشفَ ذاكرته من الأحقاد المتراكمة عبر السنين. وبشكل عام، يلجأ العديد من صنّاع الفن في المنطقة، ولا سيّما صنّاع السينما، إلى تجنّب الدخول في هذه الإشكاليات خوفاً من مطارق الرقابة أو الرفض الجماهيري أو الخسارة الماديّة. لذلك، إنّ وجود عمل فنّي مثل فيلم “محبس” هو بحد ذاته توجّه جريء من المخرجة اللبنانية صوفيا بطرس وفريق العمل نحو إعطاء السينما بُعدها الاجتماعي القادر على تصوير المجتمع كما هو، لا كما يفضّله الجمهور.

“محبس” فيلم كوميديا اجتماعية، يتشارك في نجوميّته عددٌ من الممثلين والممثلات من سوريا ولبنان، وعلى رأسهم بسّام كوسا (الأب السوري) وجوليا قصّار (الأم اللبنانية) وغيرهما من نجوم السينما والتلفزيون. أما قصّة الفيلم،  فتتمحور حول قصّة حب بين فتاة لبنانية وشاب سوري في لبنان، وتدور حبكة الفيلم حول قدوم العائلة السورية إلى الضيعة الجبلية اللبنانية من أجل “طلب يد”العروس لعريسها. وبعد الفرحة الكبرى لأم العروس بخطيب ابنتها الوحيدة، تُصعق الأم بخبر “جنسيّة” العريس السورية، خاصّةً وأنّ شقيقها قد قُتل في الحرب الأهلية بفعل قذيفة سورية المصدر. ومن هنا، تبدأ الحبكة الروائية في التصاعد إثر وصول الضيوف ورفض الأم للعلاقة، فيتبع ذلك جهود من جميع الأطراف لإقناع الأم، بالإضافة إلى دخول شخصيّة “الحبيب السابق” للفتاة اللبنانية في السجال المتأزم.  .

وخلال تصاعد الأحداث، تساهم المخرجة صوفيا بطرس في التركيز على كشف جانب من الصور النمطية المنتشرة بين الشعبين، فنرى مثلاً “صدمة” الأم اللبنانية من لهجة العريس السورية في مشهد يعبّر عن عمق الحواجز الثقافية المتراكمة. وفي مشهد آخر، نرى الأم السورية تعاتب ابنها على “انفتاح” خطيبته عندما تقوم الأخيرة بمعانقة حبيبها السابق، فتقول الأم السورية لنفسها: “اللبنانيات كلهن هيك!”

أما على الصعيد التقني، فقد تميّز الفيلم ببساطة الحبكة، حيث تجنّبت المخرجة الدخول في دهاليز السياسة والحرب واكتفت بمحاكاة الأزمة الاجتماعية من منظار عائلتين عاديتين. وقد ساهم وجود ممثّلين كبسام كوسا وبيتي توتل في إضفاء العامل الكوميدي “العفوي” والذي يناسب العمل بعيداً عن التزلّف والمغالاة  بالإضافة إلى ذلك، تميّز الفيلم بزيادة تأثير الترميز في العمل السينمائي وذلك من خلال شخصيّة شقيق الأم اللبنانية المقتول في الحرب، والذي يخاطب الأم طوال الفيلم من خلال صوره المنتشرة في المنزل.

ختاماً، لقد نجح “محبس” في الإضاءة على أزمة الصور النمطية المنتشرة بشكل كبير بين الشعبين اللبناني والسوري، وذلك في إطار كوميدي-اجتماعي بسيط. وقد تمكّن الفيلم من مخاطبة أزمة اجتماعية-ثقافية عميقة في قالب  قصّة حب شبابية. وقد يُحسب على الفيلم عدم خروجه من تصوير قصّة الحب بالأساليب التقليدية، حيث لم يتم التركيز على تغيّر شخصيّتي العاشقيْن بفعل صدمة لقاء الأهل. لكن بشكل عام،لا بد من  الإضاءة على أعمال فنيّة كهذه والعمل على تطويرها وتحسينها لكي يتمكّن الفن من لعب دوره الفاعل في كشف أبعاد الواقع-بسيئاته وحسناته- بدل تلوينه على مبدأ “الجمهور عايز كده”.

Leave a Reply