من خريجي “الأميريكية”: الدكتور نزيه البزري

أحمد عُرابي

كاتب صحفي

ولد الدكتور نزيه عبدالرحمن البزري في 4 آب 1915 في مدينة صيدا. نشأ يتيم الأب منذ عمر الخمس سنوات، تعلّم في مدرسة مقاصد صيدا وأتمّ دراسته الثانوية في مدرسة الفنون الانجيلية (جيرارد) عام 1932. تابع البزري دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت حيث عمل بدوام جزئي بالنجارة لتأمين المصاريف الجامعية. حاز على شهادة في الطب عام 1940، فعمل كطبيب لبلدية صيدا بين عامين 1942 و 1946 وبعدها في مستشفى صيدا الحكومي من سنة 1946 الى 1951.

عرف عن الدكتور نزيه حبه للخير ومساعدة الفقراء، فكان يقدم المساعدات الطبية مجانا للمحتاجين في مستوصفه أو حتى في منزله، فلقّبه الناس بطبيب الفقراء. هو كان من الأطباء القلائل الذين رفضوا أن يغادروا صيدا إبان القصف البريطاني (الحلفاء) على المدينة التي كانت تحت سيطرة قوات فيشي (دول المحور) في الحرب العالمية الثانية. خلال تلك الفترة، غادرت المدينة كل العائلات المسؤولة تاركةً الدكتور نزيه ليتولى مسؤولية أهالي صيدا الطبية والمعيشية وذلك بامكانيات محدودة. أحب الناس دكتور نزيه ووثقوا به وبمهارته في عمله خاصة سرعة ودقة تشخيصه للأمراض، فصار مستشارا للناس في جميع المجالات. ونظرا لحكمته ورجاحة عقله، لقبّه الناس ب”الحكيم”. من إنجازاته أيضاً تطوير المستشفى الحكومي وتحديث انارة الشوارع الرئيسية في صيدا.

أما في الشق السياسي، فقد انتخب الدكتور نزيه البزري نائبا عن المدينة من عام 1952 الى 1957 ومن 1972 الى 1992. وانتخب رئيساً لبلدية صيدا من عام 1952 الى 1959. كما تولى حقائب وزارات الاقتصاد والتجارة والصناعة والنفط، الصحة العامة، العمل، الشؤون الاجتماعية ووزارة دولة وذلك في حكومات متلاحقة بدءا بحكومة الرئيس المرحوم رشيد الصلح عام 1953 ووصولاً الى حكومة الرئيس عمر كرامي عام 1992. ترأس هيئة التنسيق الوطني للفعاليات الصيداوية خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي للمدينة بين عامي 1982 و 1985. كما ترأس المجلس السياسي لمدينة صيدا بعد التحرير، وشارك في اجتماعات الطائف عام 1988 التي انبثق عنها اتفاق أنهى الحرب الأهلية اللبنانية فكان من النواب الذين أوكل إليهم وضع بنود هذا الاتفاق. كما ساهم في إطلاق سراح بعض اللبنانيين المحكومين بالاعدام في السنغال في زمن الرئيس سليمان فرنجية.

تعرّض البزري الى أربعة محاولات اغتيال، كان أولها في 14 كانون الثاني 1986، ثم 15 أيلول 1987 ومحاولة لاحقة بعد حوالي الشهر في المركز الطبي للجامعة الأميركية في بيروت حيث كان يعمل. أما المحاولة الرابعة كانت في مدينة صيدا عبر تفجير سيارة ابنته رقيّة. الا أنه توفي يوم 11 تشرين الأول 2000. فتصدّر خبر وفاته الصفحات الأولى في كل الصحف اللبنانية والتي أجمعت على أن غيابه خسارة كبرى للوطن اللبناني بشكل عام وأبناء مدينته الذين أحبوه بشكل خاص.

حاز البزري على وسام الاستحقاق اللبناني تقديرا لخدماته الإنسانية والطبية خلال نكبة فلسطين عام 1948، وحاز على الوسام الطبي عام 1970 والوسام الصحي المذهّب عام 1994. وحاز على الوشاح اللبناني الأكبر عام 1985 والذي يعطى فقط لرؤساء الدول وذلك تقديراً لدوره الفاعل في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي. بالاضافة الى ذلك، ترأّس البزري مجلس أمناء هيئة الإسعاف الشعبي في لبنان ونصّب رئيساً فخرياً لجمعية رعاية اليتيم في صيدا. وتكريما لانجازاته، تشرّفت المدينة بمنح أحد بوليفاراتها اسم الدكتور نزيه البزري وذلك تخليداً لطبيب قدّم الغالي والنفيس فداءً لمدينته ووطنه. كما تحمل أحد الثانويات الصيداوية اسمه “ثانوية الدكتور نزيه البزري الرسمية”. وفي كل دفعة طلابية تتخرّج منها تأكيد وذكرى لهذا الطبيب الذي لم يوفّر جهداً في سبيل خدمة المدينة وأهل المدينة.

وتقديراً لأعماله، قال فيه الرئس الشهيد رفيق الحريري أنه “مقدام في الحق لا يقبل الظلم ويكافحه بكل قواه دونما لجوء لعنف أو لاستهتار…” وقال به النائب الأسقفي العام يوحنا الحلو “ذاق مرارة اليتيم صغيراً فأبى الا أن يكون الى جانب اليتيم، الضعيف، المحتاج والمظلوم، نصيرا. وثار في وجه الظالم والمحتل وسلاحه الوحيد إيمان بالله راسخ…والتزام جريء بما يرى فيه مصلحة مواطنيه”.

من أقوال الدكتور نزيه: “سأبقى أزرع المحبة وأوثق عرى التفاهم بين أبناء الوطن وسأبقى أرفع راية الحق”و “إن المركز الذي يتبوؤه النائب هو تكليف من الشعب لا تشريف لصاحبه الا بمقدار ما يقدم لبلده وأبنائه من خدمة وسهر على المصلحة العامة”.

Leave a Reply