الوطنيّة التائهة… بين “لبنان” و”أرمينيا”

أحمد العطار
كاتب صحفي

  غريبٌ هو اللبناني في تطلّعاته، مثيرٌ في فوقيّته، ومريبٌ في ازدواجيّته، في لبنانيّته وطائفيّته، في مثاليّته وفساد حكّامه، في فينيقيّته وقوميّته، في ديكتاتوريّته أمام ديمقراطيّة نظامه… وكل ذلك يهون أمام وطنيّة المواطن اللّبنانيّ، التي تجمع بالتوازي مع الولاء للوطن سلسلة ولاءات جوهريّة، الولاء للحزب والولاء للطائفة والولاء للمال والولاء للعشيرة! والتناحر ذاك لم يمنع اللبناني من المحافظة على “شكلٍ” سليم من الوطنيّة المزعومة؛ فهو إذ يفخر بأبناء لبنان المنتشرين في العالم، كالنواب والوزراء والرؤساء لبنانيي الأصول، فإنّ شريعته تفرض على هؤلاء الولاء للبنان، لبنان أوّلًا. أمّا أن يُفضّل وزيرٌ لبنانيٌّ أرمينيٌّ بلده الأصلي، أرمينيا، على لبنان، فحيّ على التخوين! فبين الولاءات المتناحرة آنفة الذكر، وكلّها مشروع في فقه اللّبنانيّ، وحده الولاء لأرمينيا قد ينزل وزيرًا عن كرسيّ وزارته، فلا عجب.

  الرواية التي تسرد فرضيّةً أقرب ما تكون إلى الواقع في لبنان أثبتتها الإعلاميّة منى أبو حمزة بالتجربة الحيّة الخميس المنصرم 30 آذار 2017، في برنامجها “حديث البلد” على الـMTV ، حين سألت وزير السياحة اللبناني أواديس كيدانيان، وهو أرمينيّ الأصل، عمّا إذا كان يفضّل أرمينيا أم لبنان، فكان جواب الأخير “أرمينيا”، وهناك الطامّة الكبرى، فقد شن المجتمع اللبنانيّ إبّان ذلك حملةً صاخبة ضدّ كيدانيان مطالبًا بإقالته وسحب جنسيّته، فأضحى الوزير “ناكرًا للجميل” و”بلا أصل” و”وزيرًا برتبة خائن”، وكان الرد: “أستقيل إذا طلبت مني الإستقالةُ رسميًّا”. وفي ظلّ الفساد المستشري في معظم مؤسسات الدولة، والذي لطالما واجهه اللبنانيّ بسلاح الصمت، فإن الخلاصة واحدةٌ جليّةٌ لكل من يبحث عنها، الشعب يريد وزيرًا مزايدًا بالوطنية، “بيبيعنا حكي”، ويضمر الفساد والولاء للمال والعشيرة.

  أمّا في ما خصّ تصريحات كيدانيان عن تركيا، فتعود الإزدواجيّة إلى الواجهة، فإن لم نكن هنا في محضر تقييم تركيا كعدوٍّ أم صديق للعرب عمومًا وللبنان خصوصًا، وهي التي احتلت البلاد العربيّة على مدار أربعة قرون من الزمن، ولا تزال اليوم تهيمن على لواء الإسكندرون شمالي سوريا، فليس لنا في الوقت عينه أن نفرض على الأرمينيّ التنصّل من قضيّته المحوريّة، الإبادة الأرمينيّة، التي توازي القضيّة الفلسطينيّة في بعدها القوميّ.

  فأيّ حيزٍ تحتلّ الوطنيّة في حياة اللبنانيّين ليمطروا كيدانيان بوابل تخوينهم؟ أيّ وطنيّة والطائفيّة ولاؤنا الأوّل؟ أيّ وطنيّة والزعيم أولى من الوطن؟ أيّ وطنيّةٍ ومعظمنا فوق القانون؟ أي وطنيّة والشعب راضٍ بالفساد؟ فما بين الولاء للمال والولاء لأرمينيا، فضّل اللبنانيون حيتان المال، فبئس للظالمين بدلًا!

  وليس لنا آخر المطاف إلّا التقدّم بأحرّ التعازي لمعاليه بوفاة والدته الأربعاء الفائت، على أمل أن تعود الحياة إلى المواطنة اللبنانيّة التي لطالما غيّبتها الولاءات، فأمست لا تتبدّى إلّا مع إهانة أحلام للبنانيّن وفلافلهم، أو تطاول “الشرق الأوسط” على العلم اللبنانيّ، أو منشور باسل الأمين الشهير “صرماية اللاجئ السوري”….

Leave a Reply