تأثير الحرب الأهلية اللبنانية على الفن: ما بين الأخوين الرحباني وزياد

نضال خلف

محرّر قسم الثقافة والفن

  شكّلت الحرب الأهليّة اللبنانية علامة فارقة في التاريخ السياسي للبنان والمنطقة. فمن أسبابها الاقتصادية-الاجتماعية إلى تأثير اللعبة السياسية الدولية، لعبت هذه الحرب دوراً بارزاً في خلط وإعادة تشكيل الأوراق السياسية والاجتماعية والثقافية في المنطقة، فاسحةً المجال أمام تنوّع الآراء واختلاف التحليلات حول مفاعيلها على المنطقة. وفيما يتّجه كثرٌ نحو التركيز على دمويّة الحرب وآثارها التدميرية، يتجاهل هؤلاء جانباً مشرقاً للحرب تمثّل بالثورة الثقافيّة والفنيّة التي انطلقت في الأحداث السابقة للحرب واستمرّت بعد اندلاعها عام 1975.

  في عودة سريعة إلى الفترة السابقة لاندلاع الحرب، يسهل ملاحظة “الطفرة” الثقافية والفكريّة التي سادت لبنان، وخصوصاً مع صعود الفكر اليساري وتفرّعاته على الساحة السياسية اللبنانية. وقد ترافق هذا الصعود مع تشكّل كيان “الثورة” الفلسطينية في بداياتها، والتي لعبت دور “القُبلة” للفكر الثوري المتنوّع الذي يلتقي عند أحقيّة القضيّة الفلسطينية رغم تنوّعه الإيديولوجي. وقد ساهم انتشار الفكر اليساري-الثوري في بروز نشاط ثقافي وفنّي يوازي النهضة الفكرية القائمة. وتختلف الآراء حول وصف هذه المرحلة بالـ “نهضة”، وذلك على اعتبار أنّ لبنان كان يعيش فترته “الذهبية” في مرحلة الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن الماضي. فما بين “الفترة الذهبية” و”النهضة الثورية”، كيف ترجح كفّة الميزان الفنّي والثقافي في لبنان؟

 يُمكن اختصار هذه الإشكالية الكبيرة بمقارنة صورتين من كلا المرحلتين ومراقبة التغيير الذي حصل ما بينهما. والصورة الثقافية التي سننتقيها لتمثّل حقبة الستينيات هي الفنّ المسرحي للأخوين عاصي ومنصور الرحباني، فيما سيكون مسرح زياد الرحباني هو الصورة الثقافية لفترة الحرب (قبل اندلاعها وبعده). وبالنظر إلى المحتوى الثقافي لمسرح الأخوين الرحباني، نجد بأنّ جُلّ التركيز انصبّ على تصوير “لبنان الحلم” الذي يرتكز في السماء ما بين النجوم، فتمّت الإضاءة على جمال الطبيعة وحُسن أخلاق أبناء البلد السامية التي يُمكن اختصارها بجملة في أغنية فيروز (التي أطلقت في فترة الحرب لكنّها تعبّر عن النهج الثقافي لفترة الستينيات): “لبنان الكرامة والشعب العنيد”. وقد سادت هذه الصورة في العديد من الأعمال الفنيّة في تلك الفترة، وبالرغم من التوجّه السياسي المعروف للأخوين الرحباني كانت صورة لبنان الكلاسيكية هي الطاغية. أما على المقلب الآخر، فقد ركّز مسرح زياد الرحباني على “تفنيد” المجتمع اللبناني بكلّ تفاصيله وعيوبه، فصوّر في مسرحياته الصراع الاقتصادي-الطبقي القائم في البلد، وأضاء على النماذج “السيئة” المنتشرة في المجتمع، من المثقّف المزيّف الى الرأسمالي الجشع وليس انتهاءً بمنظّري “الوهم اللبناني”، والذي يمكن اختصاره باسم مسرحيّة زياد الأشدّ تعبيراً عن ردّة الفعل الثقافية في تلك المرحلة: “بخصوص الكرامة والشعب العنيد”.

  وفي مقارنة للظروف المحيطة بكلا المسرحين، نجد بأنّ مسرح الأخوين الرحباني قدّم أعماله حول “لبنان الحلم” في مرحلة “رخاء” اقتصادي شهده لبنان ترافق مع تأثّر ثقافي بالمدنيّة الغربية، ولا سيّما بالثقافة الفرنسية، حيث لقب لبنان حينها بـ “سويسرا الشرق”. لكنّ هذا “الرخاء” ما كان ليتحقق دون “عوارض جانبية” كان ضحيّتها فقراء لبنان وخصوصاً أبناء المناطق البعيدة عن بيروت، والذين باتوا مهمّشين أكثر فأكثر في السياسة الاقتصادية العامّة. وليس نجاح الحركات اليسارية في الانتشار السريع في أوساط أبناء الطبقة الفقيرة والمتوسّطة سوى دليل على “رماد” الأزمة الاقتصادية-الاجتماعية التي أخذت تتراكم تحت جمر “لبنان الحلم”. وقد شكّلت هذه الأزمة الاقتصادية-الاجتماعية جوهر التغيير الفنّي الذي ظهر في مسرح زياد، حيث انتقل اهتمام المسرحيّات نحو الصراع الطبقي والضغوط الاقتصادية التي يعيشها المواطن في حياته اليومية، بأسلوب تعمّد فيه زياد “تحطيم” وهم لبنان الذهبي الذي بُني في الحقبة السابقة. ومن أهمّ المواضيع التي أضاء عليها مسرح زياد هي قضيّة الثورة، حيث يقدّم كلّ الأسباب الداخلية والخارجية التي تدفع الشعب إلى الثورة على نظام سياسي-اقتصادي فاسد، لكنّه يشير في الوقت عينه إلى ضرورة اكتمال الظروف المواتية لأي ثورة، حتّى لا ينفجر الغضب إلى فوضى أو يُقتصر بكلام لا فعل له ولا قوّة.

  تزامن هذا التحوّل في المحتوى الثقافي مع تغيير على المستوى الفنّي-الموسيقي. فقد ارتكز فنّ الأخوين الرحباني على الفولكلور الشعبي والأغاني الرومنسية التقليدية، فيما اتّجه فنّ زياد إلى إضفاء نكهة “الجاز” على الموسيقى الشرقية وتقديم أغاني رومنسية ببُعد اجتماعي-اقتصادي مثل “الحالة تعبانة يا ليلى” و”مربى الدلال”.

وهكذا، بإمكاننا من خلال المقارنة ما بين هذين المثلين ملاحظة تأثير الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي كانت “مكبوتة” إعلاميّاً وفنيّاً في مرحلة الستينيات، حتى  خرجت إلى العلن في مرحلة السبعينيات وخصوصاً مع اندلاع الحرب الأهلية. ورغم القيمة الفنيّة العالية التي يتشاركها مسرحا الأخوين الرحباني وزياد، تبقى الفروقات الفنيّة بينهما أكثر تمثيلاً للتناقض الثقافي العميق الذي يعيشه لبنان.   

Leave a Reply