صرخةُ عناء

إبراهيم الميقاتي

كاتب مساهم

قد كنْتُ أمشي ببعضِ الحيّ أُمسيةً ***  والصّمتُ يُطْبِقُ والأنوارُ تُحتضرُ

فإذ بصوتٍ يشقُّ الصمتَ من كمدٍ*** يزيدُ عتمةَ ليلٍ ما به قَمرُ

فصرْتُ أبحثُ في الأرجاءِ عنْ شبحٍ *** أو عنْ خيالٍ لعلَّ الصوتَ ينحسرُ

حتّى وصلْتُ زقاقًا في نهايتهِ *** بيتٌ قديمٌ به الأجيالُ قد عبروا

صارعتُ بابه حتّى ارتدّ مُنفتحًا *** ثمَّ اللّقاءُ فليتَ القلبَ يصطبرُ!

لقِيتها قربَ رُكنِ الدّارِ راعشةً *** والقلبُ يخفِقُ حتى كاد ينفطرُ

تبكي بكاءً يشقُّ الخدَّ مَنْهلُه **** لا ليس دمعًا، كأنَّ العينَ تنفجرُ

أثوابُها مُزِّقتْ أعصابُها تُلفتْ *** مسلوبةُ اللَّون فيها الكدمُ منتشِرُ

آمالُها هُدِمَت أحلامُها وُئدتْ *** طاقاتها رُميتْ في النار تنصهرُ

رَنَتْ إليَّ بطرفٍ صاغَهُ أملٌ *** ترجو خلاصًا فكلّ الدهرِ تُعتصرُ   

جاهدْتُ نفسي كثيرًا كي أسائلَها *** أفُكُّ عقدَ لسانٍ شلَّه الكدرُ

ماذا دهاكِ ومن ذا فيكِ مُفتعلٌ *** ماذا أصابك بوحي لي وما الخبرُ؟!

فإذْ بشخصٍ غليظٍ جاءَ مُقْتَحِمًا *** وأغلقَ البابَ حتى يختفي الأثرُ

ماذا تقولُ وما تبغي بمنزلنا؟ *** هذي بناتُ عيالٍ ماذا تنتظرُ

دَعْنا ولا تعبَثْ بعاداتنا *** ضربُ الحبيبِ زبيبٌ هكذا ذكروا

ما إن نأيْتُ عن الأعتابِ مبتعدًا *** حتّى سمعْتُ سيوفَ اللّؤم تَنْشَهِرُ!

من ذا الغريبُ وماذا كان مرتكبًا *** لماذا أُدخلَ أين العِرضُ والخَفَرُ!؟

أهكذا يقتلُ الإنسانُ في وطني *** ويأسرُ البنتَ طوقٌ عابه الحَضَرُ؟

أهكذا يُنتسى من كانَ موئلَنا *** وقتَ الرّضاعِ ووقتَ الوهنِ يا بشرُ؟

أهكذا تُنتسى بعضُ النساء وقد *** قدْنَ الحضارةَ منحًى فيه نفتخرُ؟

أليس قد غزتِ الرّومان زنّوبِيا *** توجِّهُ الجيش والأسياف تنهمرُ؟

أليس قد فاقت الأقوام هندسةً ***  زَها حديدُ على العادات تنتصرُ؟

أليس قد أَبَتِ التّقليدَ رائدةً *** نازك فليت مريضَ الفكرِ يعتبرُ!

قومي من القبرِ من وَأْدٍ ومن حُفَرٍ *** قومي من القبر جيل الوأد قد عبروا

قومي من القبر قد مرَّ الخريفُ بنا  *** قومي من القبرِ ها قد فتّح الزَّهَرُ

قومي وهبّي رياحًا في مقاومةٍ  *** وحاربي الظُّلمَ مهما تُظلمِ الصُّورُ

ولا تخافي بدربٍ قلَّ مسلكُهُ *** يسترشدُ النّاسُ منك الضوءَ إن نظروا

وراءك المشي أنثى كان أو ذكرًا *** فكلُّ حيٍّ بنوع السّير يعتبرُ

هذي القضيةُ لن ترقى بمنزلةٍ *** إذا تَبقَّتْ على التَّيسيرِ تَقتصرُ

الآن دوري ودورُ الكلِّ قاطبةً *** لرفعِ صوتٍ ينادي كلُّنا بشرُ!

Leave a Reply