قصّة أغنية

باب الجنّة: الموت الجميل

نضال خلف

محرّر قسم الثقافة والفن

  في منطقة ينتشر فيها الظلم والقتل على موائد المشاهدين، يشكّل الموت مادةً من مواد التعبير الثقافية والفنيّة. فالحديث عن الموت قد أمسى حديثاً عادياً، لا بل جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الجماعية لشعوب المنطقة، وهو لا يحتاج إلى دراسات فلسفية للبحث عن معانيه. وقد تمّ التطرّق إلى الموت في العديد من الأعمال الفنيّة من شعر وأغانٍ ولوحات وغيرها من وسائل التعبير الفنّي، فيما تعدّدت سبل التعبير عن الموت من الموت لأجل وطن إلى الموت لأجل حب وليس انتهاءً بالموت التراجيدي-الفلسفي. وفي جميع الأحوال، كان الموت مادّةً تحرّك وتعبّر عن مشاعر الحزن والألم والخوف من النهاية أو الفراق. لكنّ بعض الأغاني قد شذّت عن هذه القاعدة، ومنها أغنية “باب الجنّة” التي ترسم لسامعيها صورة الموت الجميل.

  “باب الجنّة” هي أغنية ذات أصول مغربيّة غنّاها الفنّان الجزائري العالمي الشاب خالد. لاقت الأغنية رواجاً كبيراً في منطقة المغرب العربي بشكل عام، وقد تمّ إنتاجها وتوزيعها عام 2012. والأغنية هي عبارة عن رسالة موجّهة إلى أم فقدت ابنها، وموجّها الرسالة هما الشاب نفسه وشخصٌ آخر لا يُعرف عنه/عنها سوى الحب الكبير المكنون للفقيد، وتتفق معظم الأقاويل على أنّها رسالة من حبيبة الشاب إلى أمه. تبدأ الأغنية بالطلب من الأم بالدعاء بالخير لابنها “المسكين الذي رحل ظُلماً”. ومن ثمّ، تخبر الحبيبة أم الشاب بأنّه سيأتي اليوم الذي “لن يُخلف فيه ميعاد”، أي موعد اللقاء مع حبيبها. وفي هذا “الميعاد”، لن يكون هناك حسابٌ أو عذابٌ أو ثواب، بل هو الميعاد الذي “أرقص وإياه على باب الجنّة”، بحسب تعبير الحبيبة للأم.

 بعد ذلك، يوجّه الشاب الفقيد الكلام إلى أمّه، فيخبرها عن معاناته من الغربة وخسارة الأصدقاء والألم الذي خبره بعيداً عنها. ثمّ يطلب منها بأن تسامحه بسبب “حرق الكبد”، أي الوجع الذي تسبّبه لها موته. فيعود الشاب ويطمئن أمّه بأنّه يعلم أن نهاراً سيأتي “ينسى القمر فيه النوم، لأرقص معها في باب الجنّة”.

 وبالنظر إلى المعاني التي تحملها الأغنية، نجد بأنّها تقدّم صورة جميلة للموت، فتصوّره على أنّه المكان الذي سيلتقي فيه الحبيبان ليرقصا سوياً بعيداً عن ضوء القمر. وفي هذه الصورة إبداعٌ فكريٌ ولغويّ وحتى فلسفي يمسح عن الموت صورة العذاب والقهر والدموع التي غالباً ما ترافقه. بالإضافة إلى ذلك، بالإمكان إسقاط هذه الأغنية على العديد من حالات الموت التي نقابلها في حياتنا اليومية، وخصوصاً في حالات الموت في الغربة أو حتّى الشهادة بحيث يصبح الموت أداة جمال وحريّة وحياة. وتلعب الموسيقى دوراً بارزاً في إضفاء جوّ من الروحانية البسيطة التي تساهم في إيصال الإحساس مباشرة إلى عقول المستمعين.

“باب الجنّة” إذاً صورة الموت الجميل الذي يحكي حكاية كلّ حبيب فقد حبيبه من جرّاء الظلم، لعلّ “ميعاداً يجمعهما معاً في رقصة على باب الجنّة”.

Leave a Reply