“الاعترافات” و ذاكرة الحرب الأهلية اللبنانية

نوافل شهاب

كاتبة صحافية

“كي أخبرك قصتي عليّ أن أبدأ من أخي الصغير، خطفوه وقتلوه، كان ولدًا لم يتجاوز العاشرة، خطفوه وقتلوه ورموه ممزّق الثياب على الطريق الصاعدة من المتحف – منطقة خطّ التماس – إلى أوتيل ديو الأشرفية”.

يقدّم مارون اعترافاته الصّادمة التي تجبر القارئ على ألا يترك الكتاب إلا بعد أن ينهيه في ١٤٤ صفحة، تخونه ذاكرته أحيانًا، يتوسل إليها لكي تستجيب، أو تفاجئه في أحيانٍ أخرى بسيلٍ منهمر من الذكريات المتوحشة.

ربيع جابر، الكاتب اللبناني وخرّيج الجامعة الأميركية في بيروت والذي حاز على جائزة البوكر العربية لدورة عام ٢٠١٢ عن روايته دروز بلغراد، يقدّم الاعترافاتبأسلوبٍ مختلف عمّا عهده عليه القارئ. يكتب جابر عن عبثية الحرب و جنونها، يسرد أحداث حرب السنتين وحرب المائة يوم دون أن يشير إلى المتورطين أو القَتَلة، حيث أنّه ينبه في أولّ الكتاب أن أي تشابهٍ بين شخصيات الرّواية وشخصياتٍ حقيقية هو محض صدفة ومجردٌ عن أيّ قصد. يثير أسلوبه دهشة القارئ وفضوله، فهو لا يتوسع في شرحِ تفاصيل الأحداث إنما يذكرها على عجلة وكأنه يقول لقارئه: ابحثْ، وكأنه يعوّل على الأدب لتأريخ الحرب حين تفشل كتب التاريخ في أن تفعل ذلك.

 

تُحكى الرّواية على نفسٍ واحد، تغوصُ في عمق النّفس الإنسانية التي نشأت في الحرب، بعيدًا عن التحليلات الاجتماعية والسياسية. يقول مارون، بطل الرّواية الذي رأى الحرب وعايشهاأنّ هناك شخصاً في داخله يريد أن يحكي بينما هناك شخص آخر يريد أن يسكت أبدياً وألّا يفتح فمه مرة أخرى. يشرح في جملة واحدة ثقل الآلام التي تخلّفها الحرب، الآلام التي لا تضمد بمجرد وقف النّار”.

لعلّ أكثر المشاهد رعبًا في رواية جابر هو مشهد الأب الذي يقف في أحد الممرات المجاورة لساحة البرج ليخطف النّاس ويقتلهم. هذا الأب الذي تحوّل إلى شخص آخر أثناء الحرب، بعد أن قُتل ابنه الصغير مارون، يصف جابر منظر أمٍ يتدفق منها الدّم بينما تحتضن أطفالها بشدّة في مقعد السّيارة الخلفي، يفتح أحد المسلحين الباب، يخرج منه صبي في الرّابعة من عمره تغطي الدماء ثيابه، يحمله أبو مارون إلى الطبيب الذي قال أنه سيموت، لكنّ الطّفل لا يموت، يكبر الطفل و يسمّيه الأب مارون، مارون الذي يحكي الرّواية، هو الصبي الذي خطفوه.

إنّها رواية مخيفة، تطرح سؤال الهوية مرة تلو الأخرى، من أنا؟يسأل مارون نفسه في محاولةٍ يائسة لمعرفةِ أصله، تكبر رغبة القارئ في معرفة ما إذا كان مارون سيتعرفُ على هويته أم لا، لكن القارئ لا يرتاحُ في النّهاية، ذلك لأنّ الحرب لا تنتهي بسهولةٍ، و كأن جابر يلمّح في روايته إلى حاجةٍ للشّفاء الجماعيّ من مخلّفات الحرب والى ضرورة الذاكرةمن أجل تجاوز الألم.

Leave a Reply