الترجمة من العربية وإليها : ضرورة أم خسارة للمحتوى ؟

جواد طرفة

كاتب صحفي

يظن البعض أن الترجمة هي فقط عملية نقل المصطلحات والكلمات، ولكن هذه النظرة المبسطة لا تعطي الترجمة حقها.

‏إن دقة عبور المعلومة بالمعنى ذاته هي من أهم أهداف الترجمة، خصوصاً إذا كانت المعاني مبهمة، ‏أو إذا تعذّر إيجاد المصطلحات المناسبة. ‏لذلك فإن خبرة المترجم ليست في اللغة فحسب بل إن خبرته في الموضوع الذي يترجمه تعتبر مهمة جدًا، وقد تصل إلى درجة التخصص في المجال الذي يترجمه.

شاعت الترجمة أكثر الشيوع في عهد العباسيين، الذين جعلوا لها مقراً، فكان بيت الحكمة في بغداد مركزاً للمترجمين. وليس من  المبالغة أن نقول بأن هذا المركز كان عصب الحضارة الجديدة، ‏حيث نهلت المكتبة العربية من خلال الترجمة من علوم الإغريق والرومان وغيرهم من الشعوب.  وقد كانت من أسباب بروز حركة الترجمة، الحاجة الماسة إلى العلوم المتطورة تلبيةً لحاجات الدولة والتنظيم واتصال المسلمين بالحضارات الأخرى ‏من خلال التوسعات والفتوحات.

‏في نظرة  إلى الحاضر، إن الأسباب ذاتها تدفع بعجلة الترجمة، حيث استيقظ العرب منذ مئة عام أو أكثر بعد ظلام دامس، وباتوا يحتاجون إلى العلوم من أجل تلبية الحاجات، ومواكبة التطور. والاتصال هو الآخر موجود الآن، بل اننا في أوج عصر التواصل. فبدلاً من عبور الصحارى والوديان من أجل كتاب كما كان يحصل سابقًا، باستطاعتنا اليوم و بكل سهولة أن نحصل على أي كتاب. لكن الذي حدث أننا للأسف ترجمنا أنفسنا بدل ترجمتنا للحرف. لسان الضادِ صار من الماضي، وعلى حسابه انتشرت اللغات الأجنبية والمناهج الأجنبية، وأخذت ما أخذته من نصيب وافر. فلا عجب أن  العلوم اليوم باتت بالإنجليزية أو بالفرنسية. ولا عجب أيضًا أن هذه الجامعة نفسها قد تركت التدريس باللغة العربية بعد 17 عامًا من اعتمادها كلغة أساسية.

‏نصل الآن إلى الإجابة عن السؤال الأول، هل الترجمة ضرورة؟ إنها بالتأكيد ضرورة حتمية من أجل الحفاظ على اللغة التي تشكل  جوهر هويتنا. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الترجمة هي  جسر الوصل بين الشعوب العربية وبين التقدم المعرفي. أما بالنسبة إلى إشكالية خسارة المحتوى، ‏فإن اللغة العربية غنية بالمعاني والأساليب النحوية  التي تخوّلها استيعاب أي طارىء والتكيّف معه، حيث يمكن إيجاد تعريف ومصطلح لوصف وتوضيح أي جديد. ويمكن أيضاً للنص المترجم أن يعرض على  مجموعة من المترجمين من أجل التخفيف من الأخطاء. مع الذكر بأن النصوص العلمية لا تحمل المعاني المبهمة أو غير المباشرة، الأمر الذي يسهل مهمة المترجمين لهذه النصوص على الأقل. أما بالنسبة للترجمة من العربية إلى لغات أخرى فستشكل هذه الترجمة القناة التي تعبر منها معارفنا الى العالم أجمع لأن المكتبة العربية هي الأخرى غنية بشتى أشكال المعرفة من الأدب إلى الفلسفة وغيرها، وإن اطلاع الحضارات الأخرى عليها أيضًا عامل داعم لهذه المكتبة ولما تحويه.

في الختام، على الحكومات والمنظمات أن تسعى جاهدة لإعادة الوضع التي كانت عليه الترجمة، الأمر الذي سوف يهيئ الأرضية الخصبة من أجل انتاج العلوم. فالهدف أولاً وأخيراً ليس الاستهلاك بل العمل على صنع المعارف لأن القوة للعلم وليس العكس، وخصوصاً في هذا الزمن. لكن لا بد لهذه الترجمة أن تأخذ بعين الاعتبار الحفاظ على خصوصية هويتنا من أجل الحفاظ على استمراريتها.

Leave a Reply