الصراع الكوري-الأميركي: هل يتجه العالم نحو حرب نووية شاملة؟

قاسم حجول

كاتب صحفي

استعدادات هنا وهناك وتصعيدات تبشر بقدوم حرب نووية بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة الأميركية، وذلك على خلفية تهديدات مباشرة من إدارة ترامب بشن ضربة عسكرية على بيونج يانج، عقب إطلاق كوريا الشمالية صواريخ باليستية في انتهاك منها لقرارات مجلس الأمن الدولي، الذي يحظر صراحة على كوريا الشمالية استخدام تكنولوجيا الصواريخ الباليستية.

ويدعو هذا التصعيد المتبادل من الجانبين إلى طرح تساؤلات مهمة حول طبيعة هذا التصعيد، وهل من الممكن أن يصل إلى حرب عسكرية، ومدى قدرة الطرفين على الصمود في هذه الحرب.

بدأ الاستفزاز الأمريكي في اليومين الماضيين عندما استقبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نظيره الصيني في الولايات المتحدة، مع تأكيده مجددًا استعداده “لحل مشكلة” كوريا الشمالية بدون مساعدة الصين، فيما ردت بيونج يانج على ذلك بأنها جاهزة «لأي حرب».

ولطالما شهدت الساحة الدولية سجالًا كلاميًّا بين القوتين النوويتين على خلفية تهديدات الطرفين بشن حرب نووية، إلا أنه لم يصل هذا التوتر إلى حد الاحتكاك المباشر، ففي كل مرة تطلق كوريا الشمالية تجارب على برنامجها النووي، يصدر من واشنطن تعليق يدين التجربة، ويهدد بردعها دون الوصول إلى حد الحرب الحقيقة ، إلا أن ارتفاع منسوب التوتر في الآونة الأخيرة دفع الخبراء إلى توقع احتمالية نشوب حرب بين البلدين، ورسم سيناريوهات مختلفة لها.

كتب دونالد ترامب على حسابه الشخصي في موقع تويتر أن”كوريا الشمالية تبحث عن المتاعب.. وإذا قررت الصين المساعدة، فسيكون أمراً رائعاً. وإلا فسنحل المشكلة بدونهم.” تأتي تحذيرات ترامب فيما تتجه وحدة ضاربة في البحرية الأمريكية إلى شبه الجزيرة الكورية، فبعد أيام على أول قمة مع نظيره الصيني شي جينبينج، بدا أن الرئيس الأمريكي يربط المفاوضات التجارية بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم بالمسألة الكورية الشمالية.

فيما رد المتحدث باسم الخارجية الكورية الشمالية قائلًا إن إرسال المجموعة الأمريكية البحرية الضاربة إلى مياه المنطقة “يثبت أن التحركات الأمريكية المتهورة لغزو جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية وصلت إلى مرحلة خطيرة”، مضيفًا “بلادي مستعدة للرد، أيّاً كان نوع الحرب الذي تريده الولايات المتحدة”، مؤكداً أن كوريا الشمالية لن تسمح للولايات المتحدة بتخويفها، لا سيما وأن الضربة الأمريكية في سوريا تثبت “أكثر من مليون مرة” صوابية برنامجها النووي والبالستي المحظورين بموجب عدة قرارات صادرة عن مجلس الأمن الدولي.

بعد إرسال واشنطن قوة بحرية ضخمة بقيادة حاملة الطائرات النووية “كارل فينسون” باتجاه شبه الجزيرة الكورية، وبعد توجيه ضربة إلى مطار الشعيرات في سوريا، وإعلان الرئيس الأمريكي أنه يمكن أن يتعامل مع بيونج يانج بدون مشاركة بكين، ازدادت  حدّة التوتر في المنطقة، مما يوسّع احتمالات حصول مواجهة عسكرية فعلية بين البلدين، حيث يرى المراقبون أنه ليس من المستبعد الآن أن يفكر ترامب في الهجوم على كوريا الشمالية بضربة دون النظر إلى الإمكانيات الهجومية الخطيرة التي يملكها الجيش الكوري الشمالي، وذلك بالاعتماد على الأسطول السابع الأمريكي ومجموعة القوات البرية والجوية المتمركزة في اليابان وكوريا الجنوبية، البالغ عددها الإجمالي (بما في ذلك البحارة ومشاة البحرية) أكثر من 70 ألفًا، وذلك بحسب الخبراء العسكريين، بدون الحاجة إلى نقل قوات إضافية من الولايات المتحدة.

النقطة الأكثر ضعفًا في التحالف العسكري الأمريكي الكوري الياباني في الحرب المحتملة مع بيونج يانج هي عاصمة كوريا الجنوبية سيول، التي يفصلها عن الحدود مع كوريا الشمالية فقط 24 كلم. فهذه المدينة التي يسكنها  10 ملايين شخص قد تتعرض للتدمير من قبل مدفعية وراجمات الصواريخ الضخمة لجارتها الشمالية. لذلك فإن إنقاذ العاصمة الكورية الجنوبية يعتبر المهمة رقم واحد في أي صراع عسكري مفترض، ومع ذلك فإن خطر الإصابات الجماعية بين سكان سيول وغيرها من المدن الكورية الجنوبية سيكون كبيراً جدّاً.

ويرجع الخبراء ترجيحهم نجاح الشماليين في اختراق كوريا الجنوبية لتفوق بيونج يانج في أسلحة الدمار وعدد الجنود، فوفقاً لتقديرات مختلفة يبلغ عدد الجيش الكوري الشمالي بين 690 ألفًا ومليون ومائتي ألف جندي وضابط، الأمر الذي يجعل كوريا الشمالية خصماً صعباً، لا يمكن هزيمته سريعاً، إذ سيكون على الولايات المتحدة إشراك قوات برية كبيرة في الحرب، لكن وبحسب أحد المراقبين الروس فإن دخول كوريا الشمالية “لن يكون مجرد نزهة كما كان في أفغانستان والعراق”.

بيونج يانج قد لا تنتصر في أي حرب محتملة مع هذا التحالف، ولكن هذا لا يعني أن نظامها العسكري الدفاعي والهجومي ليس قادراً على المقاومة الشديدة، بما في ذلك إصابة عدوها بالكثير من الخسائر والأضرار التي لا يمكن إصلاحها، فالجيش الكوري الشمالي مزود بتكنولوجيا سوفييتية وصينية وأنماط غير مكشوفة من إنتاجه الخاص.

وما زاد من فرضية نشوب حرب، قيام الجيش الكوري اليوم، السبت، بأكبر استعراض عسكري عرفته كوريا الشمالية، حيث استعرضت، خلال عرضها العسكري، ما قالت إنه صواريخ جديدة عابرة للقارات يطلق بعضها من الغواصات البحرية، وذلك في الوقت الذي يزداد فيه التوتر في شبه الجزيرة الكورية التي أرسلت إليها واشنطن “مجموعة بحرية هجومية”.

وجاء عرض الصواريخ بعيدة المدى خلال استعراض عسكري ضخم في العاصمة “بيونغيانغ”، بمناسبة الذكرى السنوية الخامسة بعد المائة لميلاد “كيم إيل سونغ” مؤسس كوريا الشمالية، وحضر الحفل زعيم كوريا الشمالية “كيم جونغ أون”، في مشهد يؤكد أن كوريا الشمالية على استعداد تام لتصعيد الأمور والدخول في حرب مع الولايات المتحدة، الأمر الذي وصفه محللون أنه سيكون بداية لنشوب حرب عالمية ثالثة، بالغة القوة.

Leave a Reply