“تنذكر وما تنعاد”…الديمقراطيّة أم الحرب الأهليّة؟

أحمد العطار

كاتب صحفي

من ذكرى الحرب إلى ذكرى النكبة أرجئت جلسةُ التمديد الثالث للبرلمان اللبنانيّ، وعلى ضريح الديمقراطيّة عادت النقاشات السياسيّة تتأجّج على درب قانون المحاصصة النيابيّة، وبين الديمقراطيّة وطرح مشاريع القوانين الـ17 على التصويت، وحدها حرب 1975 ،”الأهليّة اللبنانيّة”، وقفت حجر عثرةٍ لا يزيحه غير التوافق المعطّل، الذي أدانه البطريرك الراعي في خطبة الفصح المجيد. وحده التمديد، ويا لسخرية القدر، يخضع للقواعد الديمقراطيّة في وطن العيش المشترك، يقرّ بالتصويت، وبالأغلبية لا الإجماع، ذلك أنّ الديقراطيّة في التصويت على القوانين آنفة الذكر، بحسب الرئيس برّي، شرارة حربٍ أهليّة، فجاء ردّ النائب ابراهيم كنعان: “إمّا التوافق على كلّ شيء وإمّا التصويت على كلّ شيء”. فهل يدفع اللبنانيّ الدّيمقراطيّة ثمنًا للسلم؟
تعود الحرب الأهليّة في كل موقفٍ لتقصّ الوطن على حد منجل الذكريات، تعيد إلى اللبنانيين صور خمس عشرة سنةٍ من الصراع الدامي، وذكرى آلاف المفقودين الذين غيّبهم الماضي وتجاهلهم الحاضر، وتعود مع ذكراها عبارة “تنذكر وما تنعاد”، كلمة حقٍّ يراد بها الباطل. ففي حين نصّ اتفاق الطائف على إلغاء الطائفيّة السياسيّة، فإنّ تلك الأخيرة لا تزال تستأثر بالواقع السياسيّ اليوم، مع ما يلازمها من دواعي الميثاقيّة، وصولًا إلى البدعة اللّبنانيّة التي وضعت كلمتين متناحرتين “الديمقراطيّة التوافقيّة” عنوانًا لنظام لبنان، فأضحى الشعب رهينة زعماء يمنّون عليه تجنيب الوطن من العودة إلى ويلات حرب صوّرت له طائفيّةً، لقاء تخلّيه بشكل أو بآخر عن حقوقه السياسية والإجتماعيّة والإقتصاديّة، ناهيك عن تخلّيه عن لغة المنطق العقلاني، فكيف للديمقراطيّة، وهي بالتعريف حكم الأكثريّة، أن تُقرَن بالتوافق الذي تعطّله أقلّ الأقلّيات؟! ثمّ كيف لقانون أن يحصد موافقة كافّة الأفرقاء عليه؟ أليس المنافق وحده من يقدر على إرضاء “كلّ الناس”؟!
لم تكن الحرب اللبنانية حرب طوائف كما جرى تصويرها. ففي تاريخ الحرب، وهو المهدّد بالتلاشي في غضون عقودٍ من الزمن في ظلّ التهميش الفاضح لدراسة أحداثه، الكلّ قتل الكلّ، فكانت المعارك عابرةً للطوائف. وبناءً عليه، فإن جعل الحرب حجر العثرة الذي يلقيه كلّ من يرى مصالحه خارج الإطار الديمقراطيّ الحقّ الذي لا تستعبده أيّة طائفيّة سياسيّة خارجٌ عن المنطق العقلي السليم، فإن لم تكن الحرب طائفيّة، فإلغاء الطائفيّة ومكافحة الفساد لا يشعلان الحرب. وهنا يضحّي اللبنانيّ بوطنيّته ليعيش تحت حماية زعماء الطوائف في وطن أجّل بناء الدّولة إلى أجلٍ غير مسمًى خشية الحرب! فهل تكون ذكرى النكبة في 15 أيار القادم نكبة تجديد لعهد الفوبيا الخانقة للأوطان، أم تطلق العنان لقيام الدّولة؟
إن الحرب اللبنانيّة لم تكن يومًا مجرّد ذكرى أليمة تُذكرُ كي لا تعاد، إنّما كانت دومًا سلاح المستبدّين لاستعباد الشعوب بمعادلة التوافق مقابل الأمن والسلام، والطائفيّة مقابل التمثيل السياسي، بيد أنّ ذلك لم ينتج سوى شعب محزّب طائفيّ لايشبه شعب 1975. لقد دفع لبنان زوراً وبهتاناً ثمناً باهظاً للسلام، وهذا الثمن هو الدولة والديمقراطيّة والوطنيّة، فلعلّ كلّ منها هي المقصودة من جملتنا الشهيرة، “تنذكر… وما تنعاد”!

Leave a Reply