شخصيّة المسيح في الذاكرة الشعبية: ما بين الحقيقة والضرورة

نضال خلف

محرّر قسم الثقافة والفنون

في أسبوع الآلام والقيامة، تتّجه الأنظار نحو الكنائس ودور العبادة لمتابعة إحياء ذكرى صلب المسيح، عيسى بن مريم، والاحتفال بقيامته من الموت. وفي كلّ عام، يجتمع المؤمنون بالمسيح في مراكز عبادتهم ويقيمون مختلف أشكال الإحياء بما فيها التقاليد الدينية من صوم وتراتيل وقداديس والتقاليد الاجتماعية المتوارثة مثل إعداد الولائم وتلوين البيض وغيرها من العادات التي تستسقي أصولها من المجتمعات الشرقية والغربية على حد السواء. والوقوف عند ظاهرة إحياء أسبوع الآلام وغيرها من المناسبات التي تتعلّق بشخصيّة المسيح يُظهر حجم تأثير هذه الشخصيّة على البشر أفراداً ومجتمعات على مرّ الزمن. لكنّ سؤال واقعيّة شخصيّة المسيح يظلّ شاخصاً أمام علماء الآثار والمؤرّخين، مما يثير قضيّة أسلوب فهم شخصيّة المسيح. فهل ينبغي قبول هذه الشخصيّة من منطلق التاريخ والوقائع أم من باب الأساطير؟ أم أن ضرورة وجود شخصيّة المسيح بشكلها المتعارف عليه تُفرغ البحث العلمي من مضمونه؟

بدايةً، إنّ تأثير شخصيّة المسيح في التاريخ البشري جليّ وقد لا يحتاج إلى الإضاءة عليه، إذ يكفي أن نشير إلى أنّ التاريخ نفسه يقسّم إلى ما قبل وما بعد ولادة المسيح. وأهميّة شخصيّة عيسى بن مريم هي أنّها لم تقتصر على المسيحيين فقط، بل إن انتشارها في الديانة الإسلامية وفي الذاكرة الاجتماعية لبعض الشعوب هو خير دليل على قوّة تأثير هذه الشخصيّة. ولذلك، فإنّ البحث في حقيقة وجود شخصيّة المسيح هو أمرٌ مفروغٌ منه بالنسبة إلى العديد من الفئات الدينية والاجتماعية، فالمؤمنون بالمسيح ابناً في الثالوث المقدّس يربطون وجود المسيح بوجود الله نفسه، والمؤمنون بالمسيح نبيّاً ومخلّصاً يرون في وجوده جزءاً لا يتجزّأ من مسار التاريخ الذي سيصل إلى نهاية محتّمة. وهناك طرفٌ ثالثٌ ينكر العلاقة ما بين عيسى بن مريم والمسيح، وأولئك يعترفون بوجود شخصيّة عيسى، لكنّهم يؤمنون بأن المسيح لم يظهر بعد.

وإلى جانب الأطراف الثلاثة الأساسية، تبرز فئة تبحث عن حقيقة وجود المسيح كشخصيّة تاريخية من خلال منهج علميّ موضوعي. ويعتمد هؤلاء على علم الآثار وعلم المقارنة بين النصوص التاريخية وغيرها من العلوم الإنسانية التي تساهم في تقديم تاريخ موضوعي وموثّق إلى حد كبير من الأمانة العلمية والمنهجيّة. لكنّ علاقة هذه الفئة مع الأديان لطالما كانت علاقةً إشكاليّة، إذ غالباً ما يصطدم علماء الآثار بالسلطات الدينية التي تغذّي تأثيرها وقوّتها بالروايات الأسطورية التي تجذب المشاعر وتحفّز الأدلجة. وخير دليلٍ على هذه العلاقة الإشكالية هي الخلافات الدائمة ما بين علماء الآثار والسلطات الدينية في إسرائيل حول الآثار التي تزعم إسرائيل بأنّها تُثبت “حقّها” في الأراضي الفلسطينية، والتي يرفض علماء الآثار الاعتراف بصدقيّتها العلمية بالرغم من الجهود الكبير المبذولة.

وفي البحث عن حقيقة وجود المسيح، تبرز العديد من الآراء المتناقضة والعوائق التي تنتج عن غياب التنوّع في المصادر. فالمصدر الأساسي الذي من خلاله تكوّنت شخصيّة المسيح التاريخية هو الإنجيل، وفيما بعد القرآن. وكلا المصدرين يرويان قصصاً تتراوح ما بين الأساطير والواقع الذي يصعب إثباته موضوعيّاً. وبالتالي، فإن البحث عن شخصيّة المسيح في مصادر خارج العباءة الدينية ما زال يشكّل عائقاً أمام التوصّل إلى نتيجة حتميّة.

ومن أكثر الإثباتات المتداولة حول واقعيّة هذه الشخصية هي ورود قصّة صلب المسيح في عدد من الوثائق التاريخية الرومانية، وعلى رأسها كتابات تاسيتوس (Tacitus). ومن المتعارف عليه  أنّ الرومان قد أولوا أهميّة كبرى لتوثيق الأحداث والوقائع خلال فترة ازدهارهم وانتشارهم، وهنا تبرز الإشكالية الأولى التي يطرحها البعض حول شخصيّة المسيح. فإذا كانت هذه الشخصية-بحسب قول البعض- ذات تأثير كبير وقد عاشت بنفسها واقعة الصلب الشهيرة، فكيف لا نجد في التأريخ الروماني أي تركيز على هذه الرواية؟ والرد المتداول على هذا التساؤل يكمن من خلال نقطتين: الأولى هي أن المسيح قد ذكر فعلاً في كتابات تاسيتوس، وهو أحد أشهر المؤرّخين الرومان. أما النقطة الثانية، فهي تتعلّق بكتابة التاريخ من وجهة نظر القوي المسيطر، وبما أن المسيح وأتباعه كانوا مناهضين لسلطة الرومان وللسطلة الدينية المظلّلة بعرش روما، فإنّه من الطبيعي ألا نجد إضاءةً من السلطة على ما يعكّر سير حكمها.

لكن على الرغم من ذلك، تظلّ كتابات تاسيتوس وغيره عرضةً للتفسيرات والتأويلات التي لا تغيب عنها الأبعاد النفسية والسياسية والأيديولوجية للمختصّين أنفسهم. ومن هنا يبرز التساؤل الأكبر حيال هذه القضية، ألا وهو: هل تستمد شخصيّة المسيح حقيقتها من الآثار والدلائل العلمية؟ فبالنسبة إلى كثيرين، تُعدّ شخصيّة المسيح حاجةً أساسية في تاريخ البشر نظراً للدور الذي لعبته في تأسيس نهج فكري جديد نقل الكثير من البشر من ضفّة إلى أخرى. وشخصيّة المُصلح-المُضحّي-المُخلّص هي حاجة للمجتمعات التي تعاني الظلم والجهل والخوف، وهي بالتالي “الجسر” الذي يعبر من خلاله مجتمعٌ معيّن من وضع سيء إلى وضع أفضل على الصعيد الفردي والجماعي. وبناءً على هذا الرأي، نجد بأن شخصيّة المسيح سبق أن وُجدت في العديد من أساطير وروايات الشعوب القديمة، ونذكر مثلاً شخصية Prometheus في اليونان، الذي سرق النار من الآلهة وقدّمها للبشر، مما جعله يتعرّض لأقسى أنواع العذاب. وكذلك الأمر بالنسبة إلى شخصيّة سقراط Socrates الذي “ضحّى” بنفسه في سبيل تكريس القيم والمبادئ التي آمن بها. وهناك العديد من المقارنات التي تُقام ما بين قصّة المسيح والعديد من الأساطير القديمة كأسطورة قيامة أوزيريس Osiris في مصر القديمة، وفيما بعد استمرّت قصّة المسيح في الظهور بأشكال ومواقع مختلفة، ومنها قصّتان مشابهتان في الإسلام: الأولى هي قصّة الحسين بن علي الشهيرة والثانية هي قصّة الحلّاج الذي يراه البعض “مسيح الإسلام”.

ختاماً، سيظلّ النقاش حول واقعيّة شخصيّة المسيح قائماً في ظلّ غياب مصادر ووسائل التدقيق العلمي والموضوعي. وما بين الإيمان بالمسيح كتاريخ والإيمان بالمسيح كفكرة، تستمرّ هذه الشخصيّة في التأثير على حياة البشر أفراداً ومجتمعات. واحترام إيمان الفرد أو الجماعة لا ينكر حقّ العلم في البحث عن الحقيقة، أياً كانت نتائجها وتداعياتها، ويكفي أن نذكر بأنّ علماً كعلم الآثار ما زال منبوذاً في مجتمعات هي أحوج ما تكون إلى وسائل إثبات وجودها وفهم ماضيها. لكن لشخصيّة المسيح خصوصيّة قيميّة تجعل منها ضرورةً في الذاكرة الشعبية، وخصوصاً للشعوب التي تعاني القهر والظلم والجهل، لتشكّل هذه الشخصيّة حجر أساس في السعي نحو الحريّة والثورة والعدالة.

فعلى أرض المسيح، على أرض فلسطين، كلّ شهيد يسقط على خشبة الظلم مسيح، وكلّ أم تودّع شهيدها مريمُ.

Leave a Reply