إلى الهامش…دُر

نضال خلف

محرّر قسم الثقافة والفن

يقول كارل ماركس-رضي الله عنه-“إنّ آخر رأسمالي يُشنق، سيبيعنا حبل إعدامه بنفسه”. قد يختصر هذا القول جوهر الفكر الرأسمالي الذي-تقنيّاً-يسعى إلى بيع كلّ شيء من أجل “الربح”، أياً كانت وسائله وحساباته. ولعلّ أكثر ما يميّز هذا النهج هو قدرته على التطوّر والتأقلم مع الظروف، ولكلّ معارض لهذا النهج أن يعترف بهذا النجاح. لكن ما علاقة طالب في الجامعة الأميركية في بيروت بماركس والرأسمالية وحبل المشنقة؟

عندما تصل رسالة القبول الموقّعة من إدارة الجامعة الأميركية في بيروت، لا يسع المرء المقبول سوى أن يفرح، ولا شكّ أنّ شعوراً بالفخر سيعتريه. ربّما السبب في ذلك هي الصورة التي تُضخّ في العقول منذ الصغر: أميركا-الحلم-النجاح-الحريّة. وربّما هي مأساة الأوطان، أو فقر الجيوب، أو السعي للحاق بركب العالم المتغيّر، أو لعلّها القيود التي تملأ العقول جهلاً وكبتاً وغضباً مستسلماً.

رغم ذلك، سيدخل المرء إلى الجامعة الأميركية، وكلّما ازدادت المسافة الجغرافيّة (والاجتماعية) بُعداً عن بيروت، تزداد حدّة الانبهار الأوّلي بكلّ ما تحمله الجامعة. سيبدأ المرء بالبحث عن مصدر أمانه النفسي والاجتماعي، أي القبيلة. قد ينجح في التأقلم سريعاً وقد يستغرق الأمر وقتاً أطول بحسب مهارات الفرد في تقديم ذاته. منذ اليوم الأول، سيتعلّم المرء بأن كلّ شيء هنا يقوم على ال- Presentation، من تقديم الذات إلى تقديم المشاريع. ولمن لا يسعى إلى الاجتهاد كثيراً، فبإمكانه اختيار شخصيّة اجتماعية “معلّبة” مسبقاً، كالمجتهد أو المتديّن أو المثقّف أو “القبضاي” أو الليبرالي أو غيرهم. ولمن لا يجد مكاناً بين هؤلاء، فله أن يبحث عن أشياء أخرى، ربّما في الهوامش. هنا الفقر يتجاور والثراء الفاحش، فينظر الأول إلى عرش الثاني العاجي ويسعى لاعتلائه، ولو لدقائق. أما الثاني فيرى الأول بعين “الاستشراق”، لكن، وللأمانة، ستظلّ الصداقة تجد طريقها بين غياهب الصور النمطية.

ستمرّ السنوات، فيشعر المرء خلالها بأن لكل شيء مكانٌ في هذا الصرح. هي الليبرالية بعينها. فهنا جامعةٌ تفتخر بقيمها الأميركية، وتخضع ضمناً ومضموناً لقوانين الولايات المتّحدة الأميركية، أم الشرائع في العالم (وعلى رأسها شريعة سجن أبو غريب). سيجد فيها المرء كلّ ما هبّ ودبّ، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، حتّى أنّها لن تبخل عليه ب”ماركس” نفسه. قد يلائم الحظّ صاحبه فيجلس في smoking area ويستمع لنقاشات تغلغل الرأسمالية في كلّ شيء، قد تصله أصداء الخلاف حول كيفيّة إسقاط “النظام الطائفي” وتحرير الشعب المسكين (علماً بأن جزءاً كبيراً من هذا الشعب المسكين هو من سيمنع إسقاط النظام الطائفي). لكن لا بأس، فكلّ شيء مفيد هنا. أما سعيد الحظ، فهو من يسمع همسات انتقاد سياسة الشفافية المالية في الجامعة أو ذلك الذي يجد محاضراً حول زيادة الأقساط الرهيب في السنوات الماضية. لكن، لا بأس. فالحريّة مُصانة هنا (حتّى لو تمّ اتهام المنتقدين بأنّهم أتباع دونالد ترامب، فتلك حريّة أيضاً!)

حتّى فلسطين، ستجد لها مكانها في الجامعة الأميركية: نادٍ ثقافي وطلّاب وندوات ومحاضرات ونقاشات. سيشاهد المرء رقصات الدبكة “إحياءً” لنكبتها، وسيهرول “المستشرقون الجدد” إلى الحاجّة الفلسطينية بثوبها التقليدي ليلتقطوا معها صور لselfie في يوم الأرض. سترتفع الأصوات المناهضة لل Apartheid الإسرائيلي، فالفصل العنصري هي أزمة فلسطين الأولى والأخيرة، أما التهجير و”فلسطين من البحر الى النهر” واللاجئون (وهي صفة معظم الطلاب الفلسطينيين في الجامعة)، فللمرء أن يبحث عنها في أماكن أخرى، ربّما في الهوامش. سيرى المرء كثراً يعتلون المنابر ويحاورون ويناقشون ويصرخون، لكن إيّاهم أن يعطّلوا سير Nestle Tollhouse. لن يأتي الردّ من الإدارة عبر تهديدهم بالطرد الموقّت أو الدائم فحسب، بل سيتصدّى لهم بعض الطلّاب أيضاً. فالنسكافيه حقّ مشروع…تماماً كحق العودة!

وسيمضي الوقت، ليصل المرء إلى خاتمة التجربة في الجامعة الأميركية، ليعيد شريطها، إن ملك شيئاً من وقته المسلوب. ففي هذه الجامعة، حيث يخرج الفرد معلّباً لخدمة نظام اقتصادي يعطيه فُتات قوته ويسرق ملايين جهده، بإمكان الفرد أن يلعن هذا النظام وراعيته أميركا، وأن يرفع راية ماركس أو محمّد أو الحسين عالياً، وأن يصرخ اسم فلسطين ليلاً نهاراً. لكن عندما ينطفئ الصوت، سيعود كلٌّ إلى سقفه وقوته ودفئه، و”سينام العالم بثقله على أجساد المظلومين والفقراء”، كما أعلمنا نبيٌّ من روساريو ذات يوم. فمن لا يدخل في آلة هذا النظام، لن يجد سوى حبل الإعدام، أو ما يُعرف باسم الجوع. حتّى كاتب هذه الكلمات، قد ينتهي به المطاف موظّفاً لطيفاً يعمل ليل نهار في سبيل تحصيل المال والبنين وزينة الحياة الدنيا. لكن، ولئنْ يصل اليوم الذي يبيعنا فيه الرأسمالي الأخير حبل مشنقته، من المفيد أن نعلم بأن حبال مشانقنا تُعلّق كلّ يوم وبصمت، على الصفحة الرئيسية لتربيتنا ودراساتنا وأعمالنا.

فهنيئاً لأولئك الذين صنعوا من الهوامش وطناً…وإلى الهامش، درْ.

Leave a Reply