تركيا بعد الاستفتاء: انتقام من العسكر، أم رحلة نحو الديكتاتورية؟

خضر حنوش
كاتب صحفي

  بعد تشكيل حزب العدالة  والتنمية من قبل رجب الطيب أردوغان و عبدالله غول عام 2001، اتجهت تركيا نحو مرحلة إصلاحات لنفض غبار المشاكل التي تركها نظام مصطفى كمال أتاتورك. وبعد فوز هذه الحزب بانتخابات عامة عديدة، وضع نصب أعينه استقلالية نظام الحكم عن العسكر تفاديًا لأي عملية انقلاب تطيح بنظام الحكم المدني، و تعيد بالتالي تركيا إلى مربعها العسكري الأول. لا شك بأن الحزب الحاكم نجح بتأمين بيئة شعبية مؤيدة له خلال العقد الماضي من خلال إصلاحات خدماتية، مالية  ووضع خطط مستقبلية تكون بمثابة القوة التي ستنهض من خلالها تركيا.
على إثر ذلك طرح الحزب في البرلمان التركي عام 2011 مشروع تعديل دستوري يقضي إلى تغيير نظام الحكم بالإضافة إلى مواد دستورية تتعلق بالعسكر. لكن ما هي أبرز هذه التعديلات؟ و ما هي تأثيراتها على مستقبل تركيا؟ ما تأثير هذه التعديلات على علاقات تركيا الدولية؟ و هل تخلت تركيا عن حلمها بالانضمام إلى القارة الأوروبية؟
طرح حزب العدالة  والتنمية مشروع تعديل الدستور على البرلمان التركي عام 2011. لم يناقش البرلمان حينها هذه التعديلات. لكن بفضل الفوز عام 2014 بأغلبية مقاعد المجلس النيابي و تمكنه من تشكيل الحكومة منفردًا، وضع الحزب من جديد نصب عينيه هذه التعديلات. إلا أن عملية الانقلاب التي كادت أن تقضي على نظام الحكم في تموز من العام الماضي سارعت وتيرة مناقشة مشروع التعديلات. فصوت البرلمان التركي في كانون الثاني 2017 بأغلبية 339 صوتًا من مجموع 550 صوتًا فاضطر البرلمان اللجوء إلى الاستفتاء نتيجة عدم حصول المشروع على ثلثي الأصوات. على إثر ذلك، طرحت التعديلات الدستورية على الاستفتاء الشعبي في السادس عشر من نيسان الجاري فجاءت النتائج ب 51.3 بالمئة مع التعديلات و48.7 بالمئة ضد علمًا بأن نسبة المشاركة قاربت 80 بالمئة  وفق ما نقل موقع روسيا اليوم.
  أبرز هذه التعديلات تطال موقع رئاسة الجمهورية. فابتداء من العام 2019، موعد بدء تطبيق الدستور المعدل، يصبح لرئيس الجمهورية الحق بالترشح لولايتين متتاليتين فقط لا غير، على أن تكون مدة كل ولاية خمس سنوات. وهذا ما سيؤدي، بحال حصول حزب العدالة والتنمية على نتائج انتخابات العام  2014 نفسها، إلى تمديد ولاية الرئيس رجب الطيب أردوغان لغاية العام 2029. و يحق لرئيس الجمهورية أيضًا الانتماء لحزب سياسي، وهذا ما سيخلق توترات سياسية في تركيا نتيجة تعارض المواقف الداخلية  والخارجية  ونتيجة لتقارب نتائج التصويت بين المعارضة  والموالاة. كما تمنح هذه التعديلات رئيس الجمهورية حق تعيين  وإقالة الوزراء وموظفي الدولة الكبار على أن يلغى منصب رئاسة الحكومة.
   وبالتالي، فإن نظام الحكم الذي تقبل عليه تركيا يقع بيد رئيس الجمهورية منفردًا. إلا أنه يمكن لمجس النواب التركي عزل رئيس الجمهورية بعد تصويت ثلاثة أخماس أعضاء المجلس الذي سيصبح عديده 600 عضوًا بدلا من 550 عضوًا. كما سيصبح سن الترشح لعضوية المجلس 18 سنة بدلًا من 25 سنة،  وهذا ما سيمنح طلاب الجامعات الدخول إلى الحياة السياسية باكرًا، و بالتالي منح تركيا جرعات تغيير شبابية من شأنها دفع تركيا نحو مستقبل واعد.
أما في ما يخص العسكر، فقد ألغت التعديلات الدستورية المحاكم العسكرية، كما منعت العسكريين من الترشح للانتخابات. من شأن هذا التعديل فصل الحياة السياسية عن الحياة العسكرية في تركيا، و تفادي تركيا أي انقلابات عسكرية شبيهة بانقلاب تموز من العام الماضي. لكن الغريب في التعجيل في الاستفتاء بعد أقل من عام على محاولة الانقلاب العسكري في تركيا،  وهذا ما وضحه محللون سياسيون حينها بأنه عملية تطهير لنظام الحكم من بطش العسكر وإنهاء حلمهم بالعودة إلى سدة الحكم. من ضمن التعديلات التي أقرت، وضع النيابة العامة تحت سلطة وزارة العدل، إلغاء مجلس القضاء الأعلى وإعطاء رئيس الجمهورية الحق في تعيين، محاسبة  وإقالة القضاة.
  وبالتالي فإن القضاء يتجه نحو التطعيم بجرعات سياسية من الحاكم، و جعل النظام أكثر صلابة  وأكثر قابلية للتحول نحو الديكتاتورية. وهذا ما يعارض مواقف الحزب الحاكم تجاه السياسات الخارجية. كما أن هذا التعديل بالتحديد يعارض أنصار النظام التركي في الخارج الذين يطالبون بقضاء عادل و مستقل.
  من الواضح أن نتائج التصويت، وإن كانت تشير إلى عملية ديمقراطية بحتة، فإن أرقامها تشير إلى انقسام الأفرقاء في تركيا. لذلك أعربت عدة دول أوروبية عن قلقها نتيجة هذا الاستفتاء. فقد أعلن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند “أن نتائج التصويت تشير إلى انقسام المجتمع التركي بشأن هذه التعديلات”. كما دعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل النظام الحاكم إجراء حوارات سياسية مع المعارضة التركية تفاديًا لأي نتائج سلبية لهذه العملية. وذلك يوضح أن العلاقات التركية الأوروبية تتجه نحو توتر حاد، و إلى ضرب حلم تركيا بالانضمام إلى القارة الأوروبية عرض الحائط. إلا أن بعض الدول العربية، كالسعودية بالإضافة إلى المعارضة السورية، أعربت عن ترحيبها  ومباركتها لهذه التعديلات. لكن الرئيس التركي رجب الطيب أردوغان طالب خلال الاحتفال بنتائج الاستفتاء من المجتمع الدولي عدم التدخل بالشؤون التركية  واحترام  نتائج التصويت كونها ناتجة عن عملية ديمقراطية نوعية.

Leave a Reply