على درب الذكرى

محمد الموسوي

نائب المحرر

بعد خمس سنوات في الحرم الجامعي، كثيرة هي الأمور التي تتعلمها و تكتسبها بفعل تراكم الخبرات و تواترها. خمس سنوات مضت، والإنسان الذي دخل الحرم للمرة الأولى لم يعد عينه. فللسنين الخمس حقها. إذ أنها ليست رقما عبثياً على دفتر الذكريات وحسب، بل إنها تجربة -تجربة مميزة بكل ما للكلمة من معنى. تجربة ساهمت في بناء الإنسان والمواطن الذي أمثل اليوم.

ما يميز الأميركية عن سواها لربما هو المزيج المتناسق في تفاوت ظلاله  وتنوع ألوانه المتمثل في طلابها. وكان لهذا العامل الدور الأبرز والأهم في بناء الوعي الإنساني. فالثقافة التي توفرها الأميركية لطلابها لا تقتصر على غرف التدريس وحسب بل تتعداها إلى ما هو أبعد غوراً عن طريق تأطير الإندفاع الطلابي ضمن هيكلية متناسقة تسهم في بناء الجيل وعبره بناء الوطن الذي إليه ننتمي. تسخّر الأميركية كل طاقات طلابها لتعزيز القيم الإنسانية  وغرسها في نفوسهم لتجعل منهم المواطنين الخيرين الذين سيبنون الوطن يوماً ما على عواتقهم.

سنين خمس مضت،  والطريق الدراسي الذي لطالما كان محفوفاً بالتعب  والإرهاق  والدرس المتواصل ما كان ليبلغ فيّ قدماً ما لم أحظَ بحفنة من الأصدقاء الذين كان لهم الدور الأبرز في تعزيز شخصيتي وبلورتها لهيئتها التي أريد. فالأصدقاء لم يكونوا أسماء على لائحة هاتفي وحسب، بل أسماء طَبعت في وجداني بصمة لا تمحى ولا تنسى خاصة أن ظلالها إنعكست على فكري. أصدقاءٌ عشت معهم الحلو والمر على حد سواء فكانوا الساعد الذي أتكئ عليه يوم أحتاج  والنبراس الذي يضيء وحشة التجربة. لا تزال بسماتنا في غرين أوفل تتردد أصداؤها في أذني وتأخذني بذكراها إلى أمسي، فترسم بسمة الذكرى خفراً على وجهي.

خمس سنين مضت، وكَبُرت معها أكثر بكثير من الأرقام الخمس المكتوبة على أوراق هويتي. فالتجربة غنية، حقاً غنية. ما هي إلا قصة كَثُرت فصولها وكان في تنوعها لذة الإكتشاف والتجربة.

ولا تكتمل التجربة إلا في ذكر مكتبة يافث. هناك لا يقتصر الأمر على الدراسة  والتحضير للإمتحانات بل هي بمثابة الملتقى الذي تنصهر في رحابه تجارب الكثير من الطلاب لتخلق صورة حضارية للدور التثقيفي الذي اضطلعت به الأميركية تاريخياً.

والمميز في الأميركية أن في كل يوم إحتمال لتجربة جديدة قد تغير حياتك إن من حيث التفكير أو التوجه. والغريب أن بعد السنين الخمس تجد نفسك في المكان عينه في المكتبة عينها غير أن المتغير وحده هو أنت كإنسان أو تجربة فكرية والزمن الذي يسابق العمر.

أن تلتقي بأشخاص بعد السنين الخمس يجعلونك تعي أهميتك كإنسان ذي وجود  وقيمة ليس غربياً حتى في الحرم الجامعي. أشخاص تشعر بالإنتماء الروحي لوجدانهم، يصبحون جزءاً من طقوس يومك  بتألقهم، روحهم المرحة، يقينهم المتجدد، سعادتهم العارمة. أشخاص تعلم أنهم قد يكونوا جزءاً من عالمك لا بل قد تتمنى أن يكونوا جزءاً منه.

بعد سنين خمس لا بد أن تنتهي الرحلة في مكان ما. لا بد أن ترسي الباخرة على مرفأ  وتشعر ببداية جديدة إنطلاقتها نهاية تجربة أخرى. وجل ما تريد عقلٌ، بسمةٌ وقلم.

Leave a Reply