!لا تكفي” Think About It”:الثقافة الجنسيّة في الجامعة الأميركية

نضال خلف

محرّر قسم الثقافة والفن

مؤخّراً، قامت إدارة الجامعة الأميركية في بيروت بتقديم مادّة تفاعليّة لطلّابها على شبكة الإنترنت تحت عنوان: “Think About It”. وقد وضعت الإدارة هذه المادة التي تهدف إلى نشر التوعية حول التحرّش الجنسي والاغتصاب ضمن خانة المواد الإجبارية حيث  ينبغي على كلّ الطلاب إنهاؤها ضمن مهلة محدّدة. وعلى الرغم من أهميّة توعية الطلّاب حول قضيّة التحرّش، إلا أنّ السؤال الكبير الذي لا بد من طرحه هو السؤال حول شكل وحدود الثقافة الجنسيّة لدى طلّاب الأميركية.

بدايةً، يكفي لمن يدخل حرم الجامعة الأميركية أن يقوم بجولة سريعة ليلاحظ شكلاً من أشكال التنوّع الثقافي العميق الذي يعكس الصورة الثقافية لبلد ما زال إلى اليوم يبحث عن هويّة تجمع أبنائه. ولطالما عملت وسائل الإعلام على تقديم هذا الاختلاف بصورة “التنوّع الحضاري” على مبدأ “هيدا لبنان”. لكنّ الواقع الاجتماعي والسياسي يثبت بأن لهذا النوع من التنوّع مخاطر عديدة، وخصوصاً على صعيد فقدان أُسس الهوية المستقلّة. ومن أكثر مظاهر الاختلاف الثقافي بين طلّاب الجامعة وضوحاً هي ظاهرة الثقافة الجنسيّة، وهي أحد العوامل الأساسية في تكوين شخصيّة الفرد ونظرته إلى المجتمع.

  تركّز المادة التفاعلية على الرفع من وعي الأفراد تجاه قضايا التحرّش الجنسي والإغتصاب، ساعيةً إلى تعريف الفرد على حقوقه بالإضافة إلى تفنيد الآراء التي تسوّق لمثل هذه الأفعال. لكنّ الإضاءة على الحياة الجنسيّة لطلّاب الجامعة من خلال مقارنتهم بأفراد من مجتمع مختلف كليّاً لا تعدّ وسيلةً ناجحةً للتوعية. فعلى الرغم من تشارك طلّاب الجامعات أياً كانت مواقعهم للعديد من المخاطر والتجارب المشابهة، إلا أن الأزمات ذات الطابع الجنسي لطلّاب الجامعة الأميركية في بيروت تختلف في خلفيّاتها وأشكالها عن تلك المتداولة في الولايات المتّحدة الأميركية.

  وبالنظر إلى مسار تكوين الثقافة الجنسية لدى أفراد الجامعة، فإنّ هذه العمليّة تتّخذ مراحل يؤسّس بعضها بعضاً، ابتداءً من الحلقة الاجتماعية الأولى (المنزل-الحيّ-العائلة) وصولاً الى الدائرة الاجتماعية الأوسع (المدرسة-المجتمع-وسائل الاتصال) وليس انتهاءً بالمرحلة الجامعية وما تحمله من احتكاك بين الخلفيّات الثقافية المتنوّعة. ولذلك، من الطبيعي أن نجد في أروقة الجامعة الأميركية من يفتخر بثقافته الجنسيّة شكلاً ومضموناً وفكراً، مقابل من يرى في الثقافة الجنسيّة موضوعاً “حسّاساً” يُناقش بأساليب دقيقة وضمن أُطر دينية أو اجتماعية محدّدة. وبين هاتين الفئتين، هناك فئةُ ثالثة لا تُعير فهم ثقافتها الجنسيّة أي اهتمام، بل تمارس حياتها الجنسية بأساليب مباشرة أو غير مباشرة تساهم في الموازنة ما بين إرضاء الحاجات الجنسية من جهة والحفاظ على الصورة “المقبولة” اجتماعيّاً.

 وفي ظلّ مجتمع ما زال يربط الجنس بالقبول الاجتماعي، ما تزال الثقافة الجنسيّة لدى فئة كبيرة من طلّاب الجامعة تتأثر بالمراحل التعليمية والتجارب السابقة لمرحلة الجامعة. وفي حين تحاول إدارة الجامعة نشر الوعي حول قضايا تتعلّق بالحريّة الفردية، إلا أنّ عمليّة تطوير الوعي لا يمكن أن تتم من خلال مادّة تفاعليّة على الإنترنت. ومهما كانت نسبة تأثير هذه المادة بالطلاب، فإنّ الإرث الثقافي والضغط الاجتماعي القائم سيظلّ حاجباً لعمليّة تغيير نوعيّة على هذا الصعيد، خصوصاً وأن هذا الإرث هو نتاج فكر وممارسة تمتد لسنوات طويلة وتتسرّب إلى الفرد منذ الصغر. لهذا وأكثر، إن التوعية حول الثقافة الجنسيّة لطلّاب الجامعة ينبغي أن تتم عبر منهج تعليمي يأخذ بعين الاعتبار التنوّع القائم بين فئات الطلّاب، ومن خلال مسار تعليم علمي-موضوعي يعكس واقع الثقافة الجنسيّة في لبنان بما تحمله من مكامن جهل ومخاطر على الأفراد. فبدل أن نتابع أخبار “ألكس” و”مادي”، ربّما الأجدر بنا أن نستمع لقصص”كريم” و”ياسمين” وغيرهما ممن يعانون بصمت.

Leave a Reply