.الجامعة الأميركية خالية من التدخين

روان البتلوني

كاتب مساهم

  بين ليلة وضحاها، إنتشرت المنشورات واليافطات داخل حرم الجامعة عن إعلان الجامعة خالية من التبغ بحلول العام ٢٠١٨. خبر قد يراه البعض من غير المدخنين نعمةً وخطوة فعالة تجاه جامعة تهتم بإنشاء بيئة سليمة وراقية تحفظ صحة الطلاب وتجعل من حرمها نموذجًا تحتذي به الجامعات اللبنانية من جهة ويحاكي أفضل الجامعات حول العالم من جهة أخرى. هذا في الظاهر، لكن بالدخول أكثر بتفاصيل هذا القرار، تتزايد الشكوك والأسئلة حول مدى فاعلية قانون كهذا ومدى احترامه لآراء الطلاب ورغباتهم وتماشيه مع مبادئ الديمقراطية التي تتعهد الجامعة احترامها.

  إذا كانت الغاية من جامعة خالية من التبغ تشجيع الطلاب على الإقلاع عن التدخين أو تخفيفه فهذا سيكون حتمًا فيه خير للطلاب وتأكيد على دور الجامعة في توجيهم وتقويم سلوكهم. المشكلة هنا ليست في نية الإدارة، ولكن هل يعتقدون حقًا أن المدمن على التدخين سيصعب عليه الوقوف خارج السور ليدخن كما يشاء؟ هل يعتقدون أن الإقلاع عن التدخين أو تخفيفه يتحقق بالإجبار وتحت الضغط؟ ألا يعلم القيمون على هذا القرار أن كل ممنوع مرغوب؟ إن هذه السياسة تمثل نظامًا أبويًّا صارمًا ربما يكون قادرًا على جعل حرم الجامعة صحيًّا وراقيًا للمحيط، ولكنه بالتأكيد فيه انتقاص من الحريات الشخصية والمبادئ الديمقراطية التي تزعم الجامعة تعزيزها. أما إذا كان الهدف جعل حرم الجامعة صحيًّا وراقيًا، فكيف تتوقع الإدارة أن يبدو الوضع على الطرقات خارج أسوارها؟ سجائر تكسو الأرض هنا وهناك، شبان وشابات يقفون على قارعة الطريق، وتجمعات غير منظمة إن دلّت على شيء، فهو صورة لا حضارية تتنافى مع الصورة المميّزة التي تريد الجامعة تصويرها.

  غريب أن تفرض إدارة الجامعة منع التدخين على الطلاب داخل حرم الجامعة، لكن الأغرب، فهو غياب الندوات أو المحاضرات أو حملات التوعية عن التدخين وأضراره وانعكاساته على الطلاب والجامعة. هذا يزيد من التساؤلات حول مدى مصداقية الغاية من القرار والتركيز على انعكاساته الدعائية. إن جامعة خالية من التبغ، قد تعني للكثيرين جامعة تلفظ خارجها جزءًا لا يستهان به من الطلاب، فلماذا لا يتم تخفيض عدد المناطق المخصصة للتدخين واحتضان الطلاب بدل طردهم؟ إن هذا سيكون كفيلًا بجعل الحرم أكثر صحة وبالوقت نفسه أكثر مراعيًا لرغبات الطلاب.

  إن الكثير من الطلاب يلجأون إلى التدخين للهروب من الضغط النفسي والأكاديمي خلال الفصل، وإن باحات التدخين هذه تشكل لهم فسحةً هامةً يلجأون إليها. فإن قراراً بإنهاء وجود هذه الباحات يحرمهم مما يعتقدون أنه خشبة خلاصهم وسط بحر من الضغوطات والهموم. ومن شأنه الضغط أكثر على الطلاب وتكبيدهم عنائاً هم بالغنى عنه للخروج من الجامعة والعودة إليها، ذلك بدل توجيه سلوكهم إلى طريق أخرى لا تعتمد التدخين حلًا للمشاكل والأزمات.

  ولا يمكن أن نغفل الواقع الذي يقول أن المدخنين يشكلون شطرًا مهما من المجتمع اللبناني، والجامعة مهما على شأنها وتعاظمت سمعتها لا يمكن لها أن تختبئ من حقيقة تقول أن طلابها ما هم إلا عينة من مجتمعنا هذا. فكيف يمكن لإدارتها أن تنكر هذا القسم من المجتمع وترفض الاعتراف بحريته؟

  نعم إن التدخين عادة سيئة، نعم إنه مسبب أوّل لأمراض مميتة، ونعم إن جامعة خالية من التبغ جامعة مثالية. ولكننا كطلاب سنقول لا لهذه السياسة أبويّة صارمة وسنرفض تمرير حملات دعائية وصور مثالية عن حرم الجامعة قائمة على كبت رغبة شطر لا يستهان به من الطلاب.

Leave a Reply