الصناعات اليدوية في لبنان: مهنة أم تاريخ؟

رشا مبارك

محرر ثقافة وفن

  يعتبر الفنّ من أرقى وأجمل أدوات التواصل التي تميّز الشعوب الحديثة عن الشعوب القديمة وتضيف إلى تاريخها وتراثها أثرًا رمزيًّا تقليديًّا لا مثيل له. ولطالما كانت الحِرف من أهم عناوين مجد الحضارات والثقافات التي تميّزت بها الأمم عبر التاريخ وأخذت طابعاً خاصاً لتتميّز به أمام دول العالم الأخرى. لذلك فقد تحرّرت الحرف من خانة الفنون الجميلة لتصبح هيكلًا من هياكل الحضارة الوطنية في يومنا الحالي.  

  لم يختلف وضع الحرف والصناعات اليدوية في لبنان عبر التاريخ عن باقي الدول، إذ اشتهرت معظم المناطق والقرى اللبنانية بصناعات متعددة مثل الصابون والحياكة والتطريز والسكاكين وغيرها من حرف وصناعات… فأصبح لبنان من خلال منتجات أريافه الحرفية محطًّا أنظار عديدٍ من الدول والسُّياح. ويجدر أن نذكر أيضاً وجود العديد من العائلات اللبنانية التي تحمل إسم أسلافها إستناداً إلى الحرف والمهن التي كانوا يمارسونها وعلى سبيل المثال النجّار والحدّاد والفاخوري وغيرهم.

  خلال فترة الانتداب الفرنسي، غمرت لبنان موجة من التقّدم والتطوّر الحرفي وقد ازداد عدد الحرفيين اللبنانيين وذلك نظراً إلى ضيقة المعيشة والحاجة الماسّة إلى المنتوجات الوطنية. فبعد الاستقلال، فقد اجتاحت الأسواق السلع المستوردة والمصنّعة آليًّا، فتدهورت الصناعات اليدوية ونزح الصناعيون من قراهم إلى المدن طمعًا  بتحصيل الرزق عن طريق المصانع والآلات الحديثة. ومع انحسار الحرب في لبنان، استعادت الصناعات التراثية والتقليدية الروح، فانتعش هذا القطاع  وحاول الاستفادة من التّقنيات الحديثة لتطوير وتحسين إنتاجه. وفي يومنا الحالي، نلاحظ اهتمام الدولة اللبنانية في القطاع الحرفي من خلال إنشاء نقابة خاصة بالحرفيين والتي تعمل على حماية الانتاج الوطني اليدوي، وتحاول مواكبة التطوّر لابتكار تحف جديدة مفعمة بتراث الماضي وأثريّاته.

   ومن أهم الصناعات اليدوية والحرف الفنية في لبنان:

صناعة القشّ: فعلى الرغم من اكتساح الكراسي البلاستيكية في المنازل والبيوت الحديثة، إلا أنّ الكراسي الخشبية وكراسي القشّ لاتزال تمتلك مكانة راقية ومهمّة لدى بعض المواطنين الذّين يعتبرونها تحفة فنّية لا بدّ من التمسّك بها للحفاظ على تراث البيت اللبناني العتيق. وقد بات العاملون في صناعة القشّ قليلين جدًّا نظرًا إلى قلّة تشجيع الجيل الجديد إلى العمل في هذا القطاع لأنّه، وعلى حدّ قول آبائنا وأجدادنا “ما ِبطعمي خبز اليوم”. ونلاحظ أن معظم ورش صناعة القشّ تتمركز في شوارع صيدا القديمة، تحت القناطر والشبابيك الملوّنة والمزخرفة، كما نجد بعض الحرفيين بهذا المجال في عكار وطرابلس وبعض قرى الجبل التي تحاول إحياء تقاليدها.

الصابون: هل من مشهدٍ أجمل من بستان زيتون واسع مليء بأشجار ملتوية الأغصان بسبب ثقل ثمراتها وكثرتها؟ وهل من ضيعةٍ لبنانية لا تنتظر موسم الزيت والزيتون والصابون البلدي؟ يعتبر الصابون البلدي من أهم المنتوجات الوطنية نظراً لنقائه ونظافته وكثرة استعمالاته المنزلية؛ كما أنه من السلع المهمة التي تصدَّر سنوياً إلى الخارج، والتي تحمل رمزيةً وطنيةً وتراثيةً. وأبرز المناطق التي اشتهرت في صناعة الصابون البلدي: صيدا وجزين والكورة وطرابلس، كما ونجد سرّية مهنية رفيعة تتميّز بها كل منطقة أو عائلة بصناعة الصابون وإضافة مواد طبيعية إليه كالغار وماء الياسمين.

الحياكة: تعود مهنة الحياكة إلى العصر الفينيقي، وقد صمدت عبر التاريخ وتطوّرت اشكالها وتقنيّاتها. وتعتبر الحياكة من أرقى وأفخم الحرف اليدوية إذ لعبت دورًا فريدًا في إنتاج عباءات الملوك والشيوخ، والفساتين المذهبّة للأميرات في العصور القديمة. وفي لبنان، باتت الحياكة على حافة الاندثار نظراً لارتفاع كلفة إنتاجها وبالتالي إرتفاع سعرها، مما أدّى إلى لجوء المواطنين إلى السلع المصنّعة آليًّا. ولعلّ منطقة البقاع هي من أبرز المناطق اللبنانية التي لا تزال متمسّكة بهذه الحرفة اليدوية وتطبقها بمهارة ودقّة فريدة باستخدام خيوط الذهب والحرير في الإنتاج.

السكاكين: عند ذكر الخناجر الحرفية التراثية، تظهر في الأذهان صورة عاصمة الجنوب، جزين، مع مياه شلاّلها العذبة وهوائها النقي ومشهد ذاك الحرفي الأصيل الذي قدّم عمره وسنينه وعافيته لصناعة السكاكين المزخرفة، تلك التحفة الفنية التي لا تموت. وتعود صناعة الخناجر الجزّينية إلى ما يقارب عام 1700، وهي اليوم عنصر أساسي من عناصر التراث والأصالة في لبنان، إذ انّها تقدّم كتذكار ثمين من بلاد الأرز إلى الرؤساء والضيوف والدبلوماسيين .
كما ويتميز لبنان بصناعات أخرى متعددة كالخزف والتطريز والفخّار وصناعة الجلود ونفخ الكؤوس والأكواب. ولعلّ قول محمود درويش “أشياؤنا تموت مثلنا لكنّها لا تدفن معنا” يعيدنا إلى أهمية عملنا اليدوي الخاص الذي ربما يموت معنا، ولكن أثره ورونقه وجماله يبقى محفوظًا على صفحات تاريخ بلادنا وحضارته، لكي يُنقل من جيلٍ إلى جيل حفاظاً على الهوية الوطنية.

Leave a Reply