سلسلة الرتب والرواتب، توسيع لدائرة الفقر

خضر حنوش

كاتب صحفي

  لم يعد لدى الطبقة السياسية الحاكمة عمل سوى توسيع الدائرة لتسع الكم الهائل من الفقراء في لبنان. لم يعد لديهم مخططات وأفكار سوى فرض الضرائب التي تطال الفقراء أكثر من الأغنياء. نعم فإن الحكومة ارتأت أخيرًا ضرورة إقرار سلسلة الرتب والرواتب المحقة بعد صراع ما يقارب الست سنوات من الإضرابات، كان أكثرها ضررًا عامي 2013 و2014 عندما شل القطاع التربوي. لكن إقرار هذه السلسلة، له أثر شديد على اللبنانيين. فمن أين بدأت السلسلة؟ ولماذا تأخرت كل هذه المدة لإقرارها؟ وما هي تأثيراتها على اللبنانيين؟

  تعود قضية سلسلة الرتب والرواتب إلى عام 1994. يومها طالب موظفو القطاع العام بإقرار سلسلة رتب ورواتب. فوعدهم حينها رئيس الوزراء الشهيد رفيق الحريري بسلسلة لن ينسوها. وبعد عام من تصريحه أضاف بأن الحكومة لا تستطيع زيادة الرواتب دون إرادات وأن إضرابات الموظفين لا طائل منها، لأن الحكومة لا تعمل تحت الضغط.

   وبعد مد وجزر، قررت الحكومة إعطاء المعلمين سلسلة الرتب والرواتب عبر لجنة وزارية خاصة عمدت إلى تقسيم السلسلة بين معلمي الإبتدائي والثانوي، ما أدى إلى احتجاجهم وامتناعهم عن تصحيح الإمتحانات. بعدها، قررت الحكومة زيادة نسبة 20 بالمائة على الرواتب وتأجيل إقرار السلسلة، كما قررت حينها زيادة قيمة 3000 ليرة على صفيحة البنزين، حينها بينت نيتها استغلال مطالب الموظفين لجباية مبالغ طائلة. أخذت ضجة السلسلة حينها حتى العام 1998، حيث أقر مجلس النواب سلسلة مجحفة خصوصًا بحقوق أساتذة التعليم الثانوي، حيث عمقت هذه السلسلة فرق الرُتب بينهم وبين كافة الموظفين.

  في العام 2010  أقرت الحكومة زيادة رواتب القضاة وأساتذة الجامعة اللبنانية. فوجد أساتذة التعليم الرسمي وموظفو القطاع العام أنفسهم مغبونين. قرر موظفو القطاع العام والأساتذة الإعتصام والإمتناع عن تصحيح الإمتحانات بدءًا من العام 2011، لكن في كل عام كانوا يتراجعون عن قرارهم ليصححوا. طالبوا حينها بزيادة رواتبهم بنسبة 121 بالمئة، لأنه وفق إحصاءاتهم زادت نسبة التضخم بالنسبة ذاتها. كما طالب الأساتذة بست درجات حُرموا منها على غرار زيادة رواتب أساتذة الجامعة اللبنانية. راوحت السلسلة مكانها بين سلطة عاجزة عن إيجاد الإيرادات والأساتذة الذين اتخذوا طلاب المدارس رهائن لمطالبهم.

  في كل عام كانوا يُضربون عن التعليم ما يزيد عن مرة أو مرتين كل شهر. أما في العام 2012 أضرَبوا مدة شهر ونصف عن تصحيح الإمتحانات. في العام 2013 أضربوا مدة أربعين يومًا عن التعليم، وفي العام 2014 أضربوا عن التصحيح حتى بداية العام الدراسي 2015، فما كان من وزير التربية إلياس بو صعب إلا أن يقرر إعطاء إفادات لكل من تقدم بطلب للإمتحانات الرسمية فكانت الضربة الأولى لقطاع التربية وكل القطاعات المتعلقة به. استكملت السلسلة طريقها حتى 17 تموز 2017، حين أقر مجلس النواب مشروع سلسلة الرتب والرواتب المرسل من الحكومة مشترطًا دفعها بعد إقرار الموازنة. في منتصف شهر آب الماضي، دعا فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون كافة القوى السياسية إلى مؤتمر اقتصادي أبدى خلاله اعتراضه على بعض بنود السلسلة. بعد أيام من ذاك المؤتمر، وقع فخامته على مشروع السلسلة، فنُشر في الجريدة الرسمية مع مجموعة من الضرائب التي تطال الفقير كما الغني.

  في رحلة استغرقت ست سنوات، كانت السلسلة سببًا أساسيًا في رفع أقساط المدارس الخاصة. ففي هذه الفترة ارتفعت الأقساط بحوالي مليوني ليرة لبنانية، وكل هذه الزيادة حصلت قبل إقرار السلسلة. كما ارتفعت أسعار بعض السلع بطريقة غير شرعية كتخفيف وزن السلع، كما أقرت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي تخفيف وزن ربطة الخبز حيث أصبحت 900 غرامًا. لكن موارد السلسلة تضمنت زيادة 2,500 ليرة على كافة بطاقات شحن الهواتف وفواتير الهاتف الأرضي. كما أقر رفع سعر الطابع المالي إلى 1,500 ليرة، ورفع الفواتير الصحية إلى 4 بالألف. كما رفعت تكاليف المعاملات لدى كُتّاب العدل وتكاليف المعاملات العقارية، وكلها تطال كافة المواطنين اللبنانيين. وفرض القانون ضريبة 11 بالمئة على السلع الكمالية، وهنا تصطدم الحكومة بأسئلة عدة:”ما تعريفها للسلع الأساسية والسلع الكمالية؟ هل تمتلك وزارة الإقتصاد طاقمًا كافيًا من المراقبين لمراقبة طرق جباية هذه الضريبة؟” حيث أن وزارة الاقتصاد خصصت حوالي 6 مراقبين لكل محافظة، وهذا بالفعل طاقم غير كافٍ لمراقبة رفع الأسعار.

   أقر القانون أيضا رفع الضرائب على أرباح البنوك، ما سيؤدي إلى رفع نسبة الفوائد على كافة القروض وهذا بدوره سيطال كافة اللبنانيين. فيما أقرت الحكومة أيضا رفع أسعار تذاكر السفر حسب المسافة المقصودة. فيما بقيت ضريبة الأملاك البحرية وحدها تطال الأغنياء. أما فيما يخص المدارس الخاصة، فقد أعلن وزير التربية مروان حمادة بأن الزيادة على الأقساط ستتراوح بين 13 و17 بالمئة أي بين 500,000 و1,000,000 ليرة كحد أقصى.

  خلال جلسة إقرار سلسلة الرتب والرواتب اعترض حزب الكتائب على الضرائب العشوائية. واستطاع الحزب أيضًا بعد نشر السلسلة في الجريدة الرسمية، جذب خمسة نواب إضافيين لصفه، فتقدم  نواب العشرة بطعن لدى المجلس الدستوري معللين ذلك بمخالفة قانون السلسلة للدستور. ينص الدستور على ضرورة المناداة بأسماء النواب والتصويت على بنود القوانين بندًا بندًا خلافاً لما حصل في جلسة 17 تموز، حيث تم تمرير القانون بالتصويت على كافة بنوده دفعة واحدة.

  على أثر هذا الطعن أوقف المجلس الدستوري قانون الضرائب المرفق مع السلسلة، فوضع الحكومة في مأزق تمويل السلسلة مع بداية شهر تشرين الأول من دون إرادات. فيما قرر المجلس الدستوري الإجتماع في 15 أيلول للبت في قرار الطعن. تترقب الحكومة قرار المجلس الدستوري، متخوفة من إعادة القانون لمجلس النواب، ما سيضعها بمأزق كبير وسيؤدي إلى إعلان الحكومة إفلاس خزينة الدولة خلال أشهر قليلة. كما أدى القانون إلى وضع الحكومة في الواجهة مع القضاة حيث أتى أخذ القانون من حقوقهم، فقلص العطلة القضائية وأوقف صندوق التعويضات السنوية، كما أوقف القانون صندوق التعويضات السنوي لأساتذة الجامعة اللبنانية. أما المواجهة الأكبر فهي مع دار الإفتاء، الذي يرى في التعطيل يوم السبت بدلًا من يوم الجمعة إجحافًا في حقوق المسلمين، ومخالفة واضحة للدستور.

  لا تعرف الطبقة السياسية الحاكمة طرقًا لإقرار السلسلة سوى عبر توسيع رقعة الفقر في لبنان. فيما نجد الدول المتقدمة تفرض ضرائب تصاعدية متناسبة مع راتب كل موظف. أما في لبنان، فالغني والفقير يدفعون الضريبة ذاتها، والغني يسعى لتزوير التصريحات بالأرباح وزيادة نفقات وهمية على شركاته للتهرب من الضرائب. ولا ننسى قرار حكومة تمام سلام بإعفاء شركات عديدة من ضرائب تفوق 200 مليون دولار.

  أثبتت الطبقة السياسية عجزها عن تأمين أبسط حقوق الشعب اللبناني وسعيها الدؤوب إلى تجويع اللبنانيين عبر فرض ضرائب يُصرّحون بأنها لا تطال الفقراء، وتهربهم من إقرار ضرائب سيدفع ثمنها الأغنياء. تترقب الحكومة بحذر قرار المجلس الدستوري، فهل سيكون قراره طعنة بفشل الحكومة؟

Leave a Reply