!الأمثال الجوية

هادي عبيد
محرر قسم قضايا وآراء

  لكل أمة في هذا العالم طريقة في التعبير عن واقعها الاجتماعي والحياتي، فنرى بعض الأمم تهتم بالغناء وأخرى بالرسم وأخرى بالشعر والنثر. وقد نلاحظ في مجتمعاتنا العربية عمومًا، وفي بلاد الشام خصوصًا استخدامًا واسعًا للأمثال الشعبية والطرائف القصيرة أو النوادر. فعلى عكس بعض الأقوال والحكم، فإن هذه الأقوال قد لا تحمل في طياتها حكمة أو عبرة بل تحاكي موقفًا طريفًا قد يتكرر كل يوم. لهذا، توارثت الأجيال هذه الأمثال لطرافتها وسهولة حفظها. تشمل الأمثال الشعبية مختلف المجالات الحياتية للمجتمع أو المنطقة التي تنتمي إليها، لكن بعضها تتداول بكثرة في كل المناطق. وقد تكون أبرز هذه الأمثال، تلك التي تتناول أحوال الطقس وتقلباته.

  من المعروف أن الطقس في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط قليل التقلب مع اختلاف طفيف لأحواله بين المناطق الممتدة في بلاد الشام. هذه الحال جعلت مخزون الأمثال المرتبطة بالطقس غنيًّا ومتنوعًا عبر كل الفصول والأشهر. من هذه الأمثال “خبي فحماتك الكبار لجدك آذار” والمقصود بهذا المثل أنه وعلى الرغم من أن شهر آذار يوحي بانتهاء فصل الشتاء البارد وبدء فصل الربيع المعتدل، إلا أن الطقس فيه من الممكن أن يصبح أبردًا من أشهر الشتاء، لذلك عليك أن تحافظ على الفحم الكبير للدفء في شهر آذار.

  أما فصل الصيف فقد قيل فيه “بتموز بتغلي المي بالكوز” دلالة على شدة الحر في شهر تموز. والكوز هو إناء فخاري يوضع فيه الماء للحفاظ على برودته لأنه ينضج بالماء فيحافظ على برودته. وينتشر مثل “آب اللهاب” في لبنان بشكل مختلف عما هو في فلسطين الذي يتعداه ويكون “في آب اللهاب بتخلق الغيم  والسحاب” ويعبر أول جزء منه عن حر شهر آب، أما الجزء الثاني يشير الى تكوّن الغيوم والسحب فوق بعض المناطق في فلسطين فتهطل الأمطار الخفيفة في شهر آب، ومن الممكن أن يتأخر هطول الأمطار إلى شهر أيلول فتعرف عند إذٍ بمطرة الزيتون حيث يُجمع الزيتون بعدها للحصول على الزيت. وإذا سقطت هذه الأمطار في آب تسمى مطرة الصليب فتقطع بعدها الأشجار للحصول على الخشب والحطب لأن الخشب الذي يقطق في هذه الفترة لا يدخله السوس أبدًا كما هو متعارف عليه في فلسطين.

  أما شهرا تشرين المعروفة بتقلب أطباعها وغدرها فقد قيل فيها “بين تشرين وتشرين صيف تاني” بحيث قد يكون الطقس ماطرًا في شهر تشرين الأول ويتحول إلى طقس جاف وشبه صيفي في شهر تشرين الثاني. وعرف عن شهر شباط أنه “شباط اللباط” ويعني أنه الشهر الذي تهطل فيه الأمطار بغزارة ويختلط بالرمل فيسبب الوحل واللبط. واللبط هو الوحل والطمي الكثيف.

  إن الأمثال الشعبية مرآة تصور ديناميكية الحياة اليومية للمجتمع وتعكس طبيعة المناطق التي تنطلق منها مثل هذه الأمثال نتيجة تجارب وخبرات عميقة لأجيال الماضي. وبما أننا في شهر أيلول والحرارة ما زالت مرتفعة نسبيًّا، هل سيصدق المثل: “أيلول طرفه مبلول” ؟!

Leave a Reply