!عرق متلّت بلدي أصيل : ما تجهلونه عن العرق اللبناني

داني وهبي
محرر قسم الرياضة

كنت في الخامسة من عمري، عندما استضاف والدي أصدقاءه على مأدبة الغداء إحتفالاً بإنتهاء موسم قطاف التفاح، الذي كان آنذاك شبيهًا بالتخرج من الجامعة بشهادة “دكتوراه”. كان الجميع يجلس حول المائدة، هذا يغرف من “جاط” التبولة، وذاك يضيف الزيت فوق “الكبة النية”. كانت الأجواء مليئة بالغبطة والسعادة. وما هي إلا لحظات، حتى وقف “أبو داني” ونادى بصوت جبلي عميق: “كاس الأوادم”! وقف الطفل ذو الخمسة أعوام منذهلًا، ليس أمام ضخامة الصوت، ولا جراء ضجيج الضحك والمزاح، بل لأنه رأى مشروبًا في كأس صغير، يشبه سحابةً عائمةً تطوف في “القدح”… سحابة في متناول الأيدي، لا بل ويمكنك أن تشربها في دفعة واحدة. سحابة أخبرني والدي أنها تسمى ب”العرق”!

  العرق مشروب روحي مقطر، ليس له أي لون، ويأتي مع تركيز كحولي قد يتراوح بين ال ٥٠ و ٩٠ بالمئة وذلك حسب درجات النقاوة. لطالما كان العرق يعد من العنب، الذي يتم تقطيره بجهاز يعرف بالمقطرة، أو “الكركي” كما يقول اللبنانيون. ويعتبر العرق الخطوة الأولى التي فتحت المجال أمام المشروبات المتقطرة كالويسكي والفودكا التي دخلت إلى منازلنا ووضعت على مآدبنا، وذلك بعد أن كان إستهلاك الكحول مبنيًّا على مشروبات روحية متخمرة. وبالإضافة إلى العنب، يتم وضع بعض قطرات من اليانسون، وهذا هو السبب الرئيسي الذي يعطي اللون الأبيض لدى مزج العرق مع الماء. وبما أن التركيز الكحولي عادةً ما يكون كبيرًا، يتم إضافة الماء بنسبة محددة، غالبًا “ثلثين بثلث”، ما يعني أن مقابل كل كأس عرق يضاف كأسين من الماء، وذلك للتخفيف من حدة المشروب.

  ناهيك عن اليانسون، فقد يتم إضافة التين والخوخ والبطاطا كما يفعل أهالي اليونان وتركيا، مما يجعل المشروب أقل حدة، ويعرف عندهم بإسمي “أوزو” أو “راكي”. كما تشتهر قبرص بال”زيفانيا” الذي يتم احتساؤه دون ماء أو ثلج وعادةً ما يتم وضعه في الثلاجة لتبريده قبل شربه.

  يقدم العرق عادةً في لبنان مع “المازة”، وهي مجموعة من الأطباق التي يفضل الشارب أكلها مع العرق، وذلك قبل الطبق الرئيسي، الذي غالبًا ما يكون من المشاوي. ومن التقاليد الأخرى المعروفة هي أن يضاف الماء قبل الثلج، وذلك لتفادي تكوين طبقة غير مستحبة على وجه المشروب. ولنفس السبب، وقد يتم تبديل الكأس كل مرة لدى انتهائه.   

ومن الأمور التي يركز عليه الشارب، هي نقاوة المشروب، وهذا يعتمد على عدد المرات التي قام المنتج بإعادة تقطير العنب. فعادةً ما يتم التقطير مرتين، الأمر الذي يعطيك مشروبًا متوسط النوعية، ولكن بكلفة أقل. أما عندما تسمع البائع يقول بأن منتوجه هو “عرق متلّت بلدي أصيل”، فهو يعني بأن العنب من إنتاج لبناني، ويشدد على فكرة أن التقطير قد حدث ثلاث مرات، مما يضمن جودة ونقاوة الإنتاج.

  لطالما افتخر اللبناني بعَرَقه ولا يزال… فعرق “فقرا”  متواجد على رفوف المحلات في كاليفورنيا.

فدعونا إذاً نحتفل بعَرَقنا وعراقَتِنا، فاللبناني كعَرَقه، بلدي وأصيل.

Leave a Reply