في الابداع والهوية

هادي عبيد
محرر قضايا  واراء

يقولون الانسان ابن بيئته بحيث انه يرضخ للقوانين الاجتماعية والقيود الفكرية التي توضع له في محيطه. بالتالي، فان كل من يخرج عن هذه الافكار قد يعتبر ظاهرة عرضة للانتقادات والتعليقات اللاذعة. لكن ان كان هذا الخروج عن المفاهيم خطوة نحو التقدم والتطور، هل تصبح الهوية عبء على المبدع؟ هل من الممكن ان تحد هوية الانسان من قدرته على الابداع؟

  لنتحدث اولا عن نعمة الهوية والانتماء. ان الانسان بطبيعته يحب الشعور بالانتماء الذي يولد لديه حسا بالامان والطمانينة. هذا الانتماء يكون عادة الى المكان الذي كبر فيه وترعرع في احضانه. وبالتالي، فان الشعور بالانتماء يجعل الانسان متاكدا انه مقبول ومرحب به كيفما كان او اصبح هناك. وان وجد الوعي الكافي فقد تكون هذه الهوية دافعا ومحفزا اساسيا للفرد في التطور والابداع. لا سيما ان الافكار تولد في عقل الانسان المبدع، وتنمو بتشجيع ودعم المجتمع والمحيط. لذلك فان الهوية قد تكون حافزا اساسيا في ابداع الانسان اذا اوجدت الدعم المعنوي الكافي، ناهيك عن الدعم المالي.

  اما نقمة الهوية فتتمثل بثلاث نقاط: اولها الخروج عن الاعراف الاجتماعية والتقاليد، الجهل المستشري في المحيط، نظرة العالم الخارجي الى المبدع.

  في الكثير من الاحيان قد يشكل الابداع والتطور مشكلة عند المجتمعات التقليدية، التي اعتادت على القيام بكل شيء بطريقة معينة على مر السنين. وبالتالي فان تغيير العادات يصبح شبه مستحيا بالنسبة اليها. فعلى سبيل المثال (المثل يبنى عليه ولا يقاس)، قد يخرج احد اللامعين في قرية ما بجهاز لحصاد القمح يوفر الجهد والوقت الذي يمكن استثماره في مراحل اخرى من تحضير القمح. وعلى الرغم من فعاليته المثبتة، فان اهل القرية سيرفضونه، وسيتمسكون باساليب حصادهم القديمة على مقولة “لبغير عادته بتقل سعادته”. لذلك قد يواجه المبدع بالرفض مقابل التمسك بالعادات القديمة التي اصبحت تحتاج الى التجديد.

  المشكلة الثانية تتجلى بجهل المحيط العلمي او الابداعي بحيث يخولون انفسهم للنقد بكل مجال لا يفقهون به. وهذه بحق مشكلة في مجتمعاتنا حيث ان كانت المشكلة سياسية، يتحول الجميع الى باحث سياسي، وان كانت المسالة علمية او فنية، نرى مجموعة علماء وفنانين جدد تنتقد وتقترح! قد يجد المبدع نفسه يتلقى تعليمات في كيفية ادارة ابداعه او تطوير افكاره من اشخاص لا يمتون لمجال الابداع بصلة. وقد تتحول التعليمات الى اوامر وتوجيهات ليس لها اي اسس منطقية او علمية.

  النقطة الاخيرة تتمثل بنظرة العالم الخارجي الى المبدع. فعلى الرغم من اهتمامهم بافكاره او اختراعاته، سيعامل كمواطن من الدرجة الثانية بسبب هويته وانتمائه خاصة اذا كان ياتي من مناطق “مشبوهة” في العالم او على الاقل تروج لها وسائل الاعلام بطريقة مغلوطة.

  لا يمكن للانسان ان ينكر هويته او يتخلى عنها، ولا يمكنه ان يجعلها عائقا يقف في وجه نموه وتطوره. لذلك علينا الا نرشق افكار كل من سعى للخروج على المالوف بالحجارة، ولا يمكننا ان نطالب المجتمع بما هو غير قادر عليه. لذلك فلناخذ عبرة من كلام العالم المصري احمد زويل الذي قال: “الغرب ليسوا عباقرة ونحن لسنا اغبياء، هم فقط يدعمون الفاشل حتى ينجح، لكن نحن نحارب الناجح حتى يفشل”.

Leave a Reply