وبترجع فيروز ببالي

أحمد عطار
كاتب صحفي

بتروح كتير… وبتغيب كتير… وبترجع

في دقائق لم يتجاوز عددها الثلاثة والثلاثين، استحضرت عقودًا من الذكريات… تقصّها على مسمع الموسيقى، تبوح بها بعد عمرٍ من الصمت لأرواحٍ عرفتها شاعرة الصوت… ترسلها قبل رياح الخريف نسمةً غابت عن الإنسانيّة سبع سنوات، نسمةً عبرت جحيم القتل والدمار والحروب، فحمّلتها رسالةَ سلام، عبرت حدود المكان والزمان، فحمّلاها الأفراح والأحزان، بلغت ربوع الوطن فتغرّبت، والتمست رضاه فتنهّدت، فبكى من تنهّدها البشر، وتنحّى لجارتِهِ القمر.

بعد سبعة أعوام على آخر ألبوماتها “إيه في أمل”، أصدرت السيدة فيروز مساء الخميس 21 أيلول 2017 ألبومها الجديد “ببالي” من إنتاج ابنتها ريما عاصي الرحباني، وقد ضمّ عشر أغنيات تأرجحت فيها سفيرتنا إلى النجوم بين الحزن والفرح، بين الذكرى والنسيان، بين الحبّ والحرب، وبين البدايات والنهايات، فكانت البداية مع ثلاث أغنيات منفردة هي “لمين”، “يمكن”، و”أنا ويّاك”، ليضمّ الألبوم مجدّدًا أغنية “لمين” معزوفةً على البيانو، فضلًا عن ستّ أغنيات أخرى هي “رح نرجع نتلاقى”، “ببالي”، “ما تزعل منّي”، حكايات كتير”، “بغير دني”، و”بيتي صغير”.

    بصوتٍّ عائدٍ من سفر الزمان استرجعت الحكاية، بضبابيّتها وألوانها، بأفراحها وأتراحها، تنظم على بحور الماضي قصائد لطالما محا الكتمان شجيّ حروفها، لتجمعها الذاكرةُ اليوم ملحمةً بطَلُها الكلام. فيروز التي حفرت على جدران الحبّ آلاف الكلمات، وأيقظت بالصوت روح الوطنيّة الراقدة في النفوس، أطلقت اليوم العنان لـ”بالها”، ليغرف من ينابيع تجربتها الإنسانيّة حكايًا وأحاسيس وجدانيّة لطالما أبعدَها الكتمان، فينثرَها في قلوب البشر إكسيرًا يبثُّ الحياة في الإنسان. وَحدتها وسعادتها، “بقعد وحدي منسيّي”، ضحكها وبكاؤها، “مرات كتير خفت وبكيت… وما قدرت فلّ لهيك بقيت”، عجزها وإرادتها، “مش كل شي صار كان دايمًا بإيدي… بس رغم هيك أنا أكيدي… إني آمنت وما استسلمت”، خوفها وقناعتها، “الندم لشو ما بعمروا فاد… قصص بتروح وما بتنعاد”، حب الناس الذي أمدّها بالحياة، ومشاعرها على المسرح، صورٌ أسرّتها الذاكرة فأعلنها الصوت… هي جارة القمر تغنّي خواطرها، تشارك الألحانَ حكايا مجدها، تطرب الآذان بعميق سعادتها، وتحمّل النسيان أثقال الأحزان. حتّى وحدتها العُلويّة السامية فوق جماهير المحبّين ارتأت أن تشاركها، أن تبوح بها لأرواح البشر، تخبرهم عمّا أسمته يومًا “العمر الماضي، ودهب النسيان”، عن ذكريات لم تعرف خارج الأغنية حياة، فهل عَنَت حقًّا ما قالته؟

تسحرك فيروز بجديد يستنهض من علياء الماضي مذكراته الراقدة على فراش الصمت، كأنّ كل ما غنّت على مدى ستّين عامًا لم يحمل عنها ما حملته الدقائق الثلاثون من فيضٍ وجدانيٍّ عارم، تتعانق فيه الآمال والآلام في لوحةٍ تختصر سيرة المشاعر الإنسانيّة برمّتها، ترسمها بألوانها المفعمة بالحياة، وتمنحها بصوتها الملائكيّ هالةً روحيّةً لم تكن لسواها. ثمّ تستنهض من غيبوبة الحقد رسائل المحبّة والسلام، وتبثّ أحلامها عبر أثير الواقع لتلتحم وأحلامَ البشر، فـ”الحلم وحدوا بيجمعنا… تنعيش بسلام”.

هي فيروز التي غنّت للبنان ما لم يغنّه مواطنٌ لوطنه، وأنشدت حبَّهُ قصيدةً غزليّة لم ينشدها ابن الملوح لحبيبته، وأطربت به العالمَ موشحةً دونها الأندلس بموشّحاتها… فيروز التي عاهدته في خضمّ حربه على البقاء، وأنشدت العهد حبًّا خالدًا أبد الدهور، “عندك بدي إبقى ويغيبوا الغيّاب، إتعذب وإشقى ويا محلى العذاب”… عادت اليوم وفي بالها عتاب صريحٌ استقبلته المسامع بوابل من الدموع. أيّ أملٍ يبقى لنا وقد فقدته ساحرة الأمل؟ لأي لبنان نصلّي وقد نعته قصيدة لبنان؟ لأيّ وطنٍ نبذل أبناءنا وفيروز تبحث لأبنائها عن وطنٍ جديد؟ أيّ وطن وجارةُ القمر مغتربةٌ في وطنها، “أنا وفيك حاسّي بالغربة”، تصارحه بحقيقة أخفتها لسنوات، ربما لأشهر، بل ربما لعقود! من يدري متى صارحت نفسها، متى فقدت الأمل بـ”لبنان الحقيقي الجايي”، متى أخبرها بأنّ الطريق طويل لا يقوى على مسيره، أم متى رأته يعود أدراجه إلى الهاوية، لتعلم أنّ كلماتها المستحيلة، “وإذا إنتَ بتتركني يا أغلى الأحباب… الدنيي بترجع كذبة، وتاج الأرض تراب”، قد تحقّقت. “كذبت عليّي وما كنت وطني اللي بيشبهني وبلاقي حالي فيك”، قالتها وذكّرته بالآمال السامية الشامخة صوب النجوم، والأحلام العُلويّة الراقدة فوق الغيوم، بدعاء له في كلّ صلاة، وعهدٍ لم تخالفهُ مدى الحياة.

فيروز يوم حكت أبكت المحبّين، فهل بكت إذ حكت؟ أم أنّ الغناء بكاءٌ من نوعٍ آخر، تزدحم فيه الدموع حزنًا وفرحًا، فيولّي النسيانَ عرشَ الذاكرة، “منختار النسيان، ومنمحي كل شي كان”، لتبقى الضحكات تلوّن حكايا الماضي، وترسم بسمة الحاضر… لخواطر جارة القمر، “بتخلص العتمة”، وتشرق الذكريات ورديّةً تزيّن بكلّ حالاتها تجربةً إنسانيّة فريدةً منذ بداياتها، وحتى اللا نهاية… فيروز حبٌّ أزليٌّ حاضرٌ بين البشر صباحَ مساء، بصوت توقف عنده الزمن، ليكون أنّى سمعتَهُ عملًا جديدًا وفنًّا جديدًا في كلّ زمان… فيروز ربيعُ الفصول، “بتروح كتير، وبتغيب كتير، وبترجع!” وبين كل ربيعٍ وربيعٍ يبقى عبير ورودها عطرًا يأنس لمحضره البشر، ينقل عنها رسالة أملٍ بلقاءٍ جديد، “ما تحزنوا يا صحابي، رح نرجع نتلاقى”.

Leave a Reply