العالم يفقد جانبه الإنساني

ريم العُلبي
كاتبة صحفية

  السلام موضوع مهم رافق الإنسان عبر العصور وعبر الأجيال في إطار الحروب والأزمات المخضبة بالطغيان والظلم،  فأراد السلام الوقوف والسير في أسطر التاريخ لتكون مفتاحًا خالدًا لاستقرار الحضارة البشرية. لقد تغلغلت معاني السلام في أنفسنا من قبل في سبيل إيجاد ربيع أخضر إلا أن إرادة  السلام كانت تصطدم برغبة الحرب. لقد بحث الإنسان عن السلام فلم يجد إلا أسطراً زمنية خطت بالدماء والحروب وكل معاني الظلم والاستبداد.

   لقد هوى العالم في وادٍ يستنشق ريحان الظلم، ريحان الطغيان والإستبداد، وعَلّت صرخات الشعوب وصدحت أصوات الثكالى والكليم الجريح،  لقد بدأ الظلم والاستبداد بالتفشي أمام شهوات السلطات وعربدة المصالح. لم يعد العالم مكانًا تصاغ فيه مصطلحات السلم والسلام، بل أصبح عالمًا لطمع الشعوب  ودفن الضمائر في الأعماق. لم يعد هذا العالم يوفر العدل لجميع الناس، الضعفاء منهم والأقوياء، ولم يبق مكان للمساواة بين الناس ولا للتعاون والمحبة.

  الأرض مكان لإراقة الدماء من أجل الإكتفاء بالسلطة والنفوذ ومن أجل الأنا ومن أجل القوة والجبروت. لقد وقف العالم يشاهد المذابح صامتًا، ويُقمع بالظلم طوعًا، ويدعم الحرب طمعًا، فأصبح خبر الأمس مجزرة واليوم ارتفاع عدد القتلى والجرحى وقد تكون الغد إنفجارات صارخة ودموية. هذه صورة عالمنا اليوم، الصورة التي شُوهت بمظاهر السلام المزيف للأقليات وطعنت حقيقتها مباشرة وعبر بث مباشر مضمونه أننا نبني دولة العدل ونحن، ههنا، نعمل من أجل مصلحة الشعب وتعاوننا وتحالفنا في الطريق إلى السلام وتحقيق الأمن والإستقرار. لكن لا يزال الأطفال يصرخون جوعًا وبردًا، ولا يزال الفقير يفتقد كرامته، ولا تزال ثروة الغني تزداد فاحشًا وتنقص ثروة الفقير جاحدًا.

  أوضحت الإحصاءات أن عدد سكان الأرض فى 1 كانون الثاني 2016، يبلغ 7 مليارات و295 مليونًا و889 ألفًا و256 نسمة. النصف الأول من هذا العدد أخذ  بمظاهر التطور الذي ينادي بها عصر التكنولوجيا والحضارة، فلم يعد يرى القيم الإنسانية مما يؤدي هذا الأمر إلى رقي الحضارات عبر القيم الإنسانية التي وضعها البشر وألمّوا بها والتي وضعوها أيضًا، في الهامش بدلاً من تطبيقها واقعيًّا. وبات السلاح أحد مظاهر التطور ومن أقوى القطاعات التي يتم العمل بها على تطويرها واستثمارها تحت عنوان الحفاظ على السلام. بالإضافة إلى ذلك، يستخدم الذكاء البشري كأكثر مصدر يتم استثماره في القطاعات العسكرية.

   والنصف الآخر من العدد هو بمثابة الضحية وهم الشعوب المستضعفة، فالإنسان في عالمنا اليوم أصبح قاتل لنفسه. لقد مرت على الحرب السورية ما يقارب الستة أعوام وناهيك عن الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ أربعينات القرن الماضي من دون أي تدخل إنساني يذكر، بالرغم من الوعود والآمال التي لم ينفذ شيء منها. وفي الجانب الآخر من العالم، هناك أغنى دول العالم طبيعةً وثروةً إلا أنها أفقر دول العالم إقتصاديًّا وأشدها ضعفًا سياسيًّا وإجتماعيًّا. فبينما يستأثر اثنان بالمئة من سكان العالم بنصف ثروة العالم، تتوزع الثروة المتبقية على ثمانية وتسعون بالمئة من سكان العالم.

  إن هذا الجانب من العالم  من صنع الإنسان، الذي أضاع فيه الجانب الإنساني في خصم معارك الشهوات والثروات والطمع، فلم يتبقى لنا سوى تلك الأجساد التي نحركها لتلبية حاجاتنا الحيوانية دون الإنسانية منها! فهل يستمر طغيان الحروب؟ هل نبقى صامتين أمام فقدان إنسانيتنا. فالإنسان ولد بجوفِ ضمير صاخبٍ ولكن ضعفه أمام هذا العالم اللاهث وراء السلطة والثروات غلفه بغشاوة طاغية. ولا يزال الإنسان يناشد بالمساعدة في حين أن أصوات المدافع والقنابل هائجة، فدولة الظلم لا تدوم والحرب تخمد وتدفن معها أرواح الأبرياء. لكن دولة العدل سوف تُزهر ربيعًا أخضرًا ضمن سيوف العدل والمساواة، وكل هذا بيد الإنسان وحده ليقرر مصيره إما أن يستمر في إراقة دمائه أم يعيد إحياء جانبه الإنساني.

Leave a Reply