شعب واحد “mi gna”ما بين الميجانا و‪‏‪

حسن فحص

نائب المحرر

  لطالما كان اختلاف اللغات بين مختلف الشعوب حاجزًا يحول دون تواصل هذه الأخيرة فيما بينها. لذلك عمدت الشعوب القديمة لا سيما في فترة نهضتها، إلى تعلّم الترجمة لتبادل المعارف و الإكتشافات الجديدة. وأفضل مثال على ذلك هي الشعوب العربية في عصر النهضة حيث عمد هارون الرشيد إلى الدعوة لتعلّم الترجمة لنشر الأبحاث الغربية لا سيما الرومانية بغية نشرها في بلاد ما بين النهرين حينها لتشكّل أساسًا يستند إليه العلماء لتطوير الأبحاث. لكن اليوم، في عصر السرعة، لم يعد تعدد اللغات عائقًا يحدّ التواصل بين الشعوب، ليس بسبب توحّد اللغة حول العالم، بل بسبب انتشارها عبر وسيلة عابرة للشعوب ألا وهي الموسيقى.

  في الأعوام القليلة السابقة، انتشرت بين الشعوب المختلفة، لا سيما العربية، أغان أجنبية غربية. قد يبدو الأمر عاديًّا، لكن المفارقة أن كلمات هذه الأغاني لم تكن باللغتين الأجنبيتين المتداولتين في العالم العربي (أي الفرنسية و الإنكليزية)، بل باللغات الإسبانية والأرمنية.

  الأولى كانت أغنية “ديسباسيتو” ‏‪ ‏‪ ‏‪   التي حققت نجاحًا باهرًا في العالم أسره مع تحقيقها نسبة مشاهدة على موقع يوتيوب تخطّت الثلاث مليارات، كاسرتًا بذلك الرقم القياسي لأكثر أغنية مشاهدة على الموقع المذكور. الغريب في الموضوع أن معظم كلمات الأغنية غير مفهومة عند جمهورها، لكن المستمعين لم يأبهوا لذلك فحققت الأغنية انتشارًا كبيرًا على الإذاعات المحلية كذلك في الحفلات والسهرات. الأمر لم يقتصر على الأغنية الإسبانية فحسب، فسرعان ما انتشرت بعدها أغنية أرمنية بعنوان “مي جنا”  لتتربّع بدورها على قائمة الأغاني التي تبث على أثير الإذاعات اللبنانية على الرغم من أن أحدًا من المستمعين كان ينطق بالكلمات الفعلية للأغنية بل اقتصر الأمر على تمتمة أصوات شبيهة بالكلمات التي من المفروض أن المغني يؤديها. الموضوع لم يقتصر على الأغاني الأجنبية، بل حتى الأغاني المغربية أو التونسية ،اللتان تعدّان من اللهجات العربية المختلفة عن اللهجات الشرق الأوسط، فقد حققتا نجاحًا في المجتمعات اللبنانية. إذا أنه إن عدنا عشر سنوات في الزمن إلى الوراء، نلاحظ كيف انتشرت أغنية “يا رايح وين مسافر” للفنان رشيد طه بين اللبنانيين على الرغم من أن كلماتها ليست سهلة الفهم أو حتى اللفظ. هذا الأمر عاد مجددًا منذ عامين تقريبًا مع بروز نجم الفنان سعد المجرد الذي بات من أكثر الفنانين شعبية في الوطن العربي على الرغم من أن معظم أغانيه بلهجته المغربية الأم

  هذا التبادل الثقافي بين المجتمعات المختلفة ليس سيئًا على الإطلاق، بل إنه دليل على أن الشعوب أجمعها تربطها وحدة حال  تتجلى من خلال الموسيقى، التي برزت على أنها لا تحتاج لغة جامعة ما بين الشعوب ولا تحتاج  أن تدّرس لدخول المجتمعات المختلفة. فما بين ميجانا وعاتابا الأمس و “مي جانا” الأرمنية ليس سوى تفصيل صغير في الكلمات لأن الموسيقى لا تحتاج تأشيرة كي تدخل باطن الشعوب.

Leave a Reply