مراجعة كتاب مذبحة التراث لجورج طرابيشي

عزّام طعمه

كاتب صحفي


  يتناول كتاب “مذبحة التراث في الثقافة العربيّة المعاصرة” لجورج طرابيشي عمليّة اجتزاء التراث التي تقوم بها الكثير من الجماعات والتيّارات في سبيل تسويق أفكارها، فلا هي تحيي التراث على حقيقته ولا هي تمثّله كما هو. وفي هذا السياق يتّهم طرابيشي الكتّاب بأنّ اجتزاءاتهم ومصالحهم الفرديّة  تكاد تزيل أهمّ ما في التراث إذ أنّهم يعملون على تغييره وبلورته في سبيل جذب الناس إليه استنادًا إلى أجنداتهم المبنيّة على إيديولوجيّاتهم الخاصّة.

  يركّز طرابيشي في كتابه على التيار الماركسي مع سمير أمين وتوفيق زلّوم، والتيار القومي العلماني مع زكي الأسيوني والإسلامي مع محمّد عمارة، وعلى التيار العلمي الإبستمولوجي مع زكي نجيب محمود، الطفل العائد إلى التراث، ومحمّد عابد الجابري صاحب كتاب العقل العربي، والذي يعتبر مقدّمة لنقد طرابيشي لكتاب الجابري.

  وينتقد طرابيشي في كتابه، هذه الإسقاطات إذ يرى أنّها من أخطر ما قد يحدث للتراث، فيقول في الكتاب: “لو كانت كل الخسائر المترتبة على منهج الإسقاط الأيدلوجي تتمثل في عجزه عن الوصول إلى حقيقة تاريخية لهان الخطب نسبيًّا ، ولكن منهج الإسقاط الأيدلوجي يتنطَّع لما هو أكثر من الفهم أو عدم الفهم ، فهو ينصب نفسه جراحًا يريد إخضاع التراث لعملية جراحية  ليستأصل منه ما يعتقد أنها أورامه الخبيثة”.

  لعلّ الدرس الأهم في هذا الكتاب هو الفهم التاريخي للمسائل وتأصيلها، وفهم عدم ضرورة تلازم ما نتج لاحقًا على ما كان في السابق. فنرى مثلًا أنّ المرض الذي يصيب بنيان محمّد عابد الجابري هو محاولته إسقاط الفلسفات العقلية والإبستميّة العقلية على التراث الإسلامي، وقد أدّى به هذا إلى اعتبار أكثر الفلاسفة العرب فلاسفةً بيانيّين فقهيين، إذ إنّ معظمهم لم يشكّك في المسائل العامّة ويكوّن فلسفة في ذات العقل إن كان يدلّ على الحقيقة أم لا، واعتبر الجابري أنّ هذا يخرج العروبة من دائرة العقل العقلي، كما يسمّيه هو. (ملحوظة: يقسّم الجابري العقل إلى العقل البياني الفقهي، والعقل الغنوصي الصوفي، والعقل العقلي، أي المهتم بالمسائل المتعلّقة بذات العقل).

  كما يلقي هذا الكتاب ظلّه على مسألة مهمّة وهي أهميّة الدين في الوعي العربي، وكيف أنّ كلّ فكرٍ نشط في المنطقة حاول أن يبسط نفسه بأن يلبس الدين ويجزئه بما يتناسب مع مصالحه وهو بالتالي يلفت نظرنا إلى مركزية الدين في وعي كلّ من تعامل مع الواقع العربي كان علمانيًّا أو إسلاميًّا، مع العلم، وهذا باعتراف معظم الكتّاب، بأن الكثير من الذين كتبوا في التراث يجهلون الكثير منه. فيعتبر طرابيشي مثلًا أنّ الجابري لم يدرس  الإسلام دينًا بشكل تامٍ يومًا، وهو الذي كتب وحاضر عنه في أغلبية منشوراته.

  ويفيدنا الكتاب في إسقاط هذه المسألة على التيارات الليبرالية والعلمانية والرأسمالية والحداثوية التي تحاول اجتزاء التراث مرّة أخرى لتلبسه لَبُاسَها الخاص، رافضةً الكثير منه على أنه ضرر، بدل أن تتعامل معه ككلّي متكامل، وبالتالي، فهي كذلك تذبحه على المسرح العالمي.

Leave a Reply