في مفهوم الوطن والمواطنة

محمد الموسوي

المحرر

و أسكب بعضا من فيض اليراع عسى الكلام أقوى من أوجاع تعبث شامتة في أوراق دفتر أحلام شبابنا و تحطم سفن آمالهم على شواطئ يأس لعين و تدوس بمنسمها غير آبهة على رؤاهم. في ظل هذه الأوضاع التي تتهدد وجودهم , حاضرهم   و غدهم, على الشباب اللبناني – الذي لربما إرتشف الطائفية مع اللبن في صباه نتيجة تربية خاطئة أسهمت الحرب الأهلية بتعزيزها و تغذيتها عبر الخطاب السياسي المشحون الذي أرسى الإعلام اللامهني المأجور قواعده في أوساطنا الثقافية – أن يعي خطورة الموقف وعياٌ موضوعيا قائما على تحليل شمولي بحجم وطن لا حزب أو منطقة أو طائفة , على الشباب أن ينظر إلى لبنان من منظار وطني عام يتخطى بجوهره مفهوم الطائف والحزب الضيق. فعلى كل شاب أن يكون لبنان في ذاته , أن يكون صورة واقعية تعبر عن كينونته في إطار مارسة  سليمة لشعائر الإتنماء . و عسى هذه الأخيرة علة العلل في لبنان , فالكل يحدّث في الإنتماء ويحاضر  بالشعور الوطني  في خطب منمقة بألوان البديع و قليل يعي معنى الإنتماء الوطني الصحيح : كلنا نعيش في لبنان غير أن –و هنا الطامة الكبرى- قليل هم اللبنانيين . فاللإنتماء أبعد في جوهره و أعمق غورا من كلمات موزونة حفظناها في أبيات مقفاة لم نفقه حتى معناها ليس لأننا وطنيين مذ نعومة أظفارنا بل لأننا أجبرنا يوما على حفظها لنيل رقم على ورقة كان لنا بمثابة كل شئ :فكانت ال 10\10 أكبر من أي وطن في عقل هذا الطفل الذي يقف مرتبكا أمام معلمه. أن تكون لبنانيا ليس أن تحمل بطاقة بلاسبيكية كتب عليها “لبناني” في محفظة نقودك  تنساها اللهم إلا إن إستوفقك رجال الأمن على حاجز فتضطر لإبرازها.

يوما سألت جدي إثر عبارة إستوقفتني في كتاب التربية المدنية لأنها كانت في منطقها أصعب من أن يفهمها عقل طفل في الثامنة ” جدو أنا مني لبناني؟” فأجاب مع بسمة ” مبلا جدو إنت لبناني ولو” فأردفت “بس معلمة التربية قالت أنو لتكون لبناني لازم يكون مكتوب على إخراج القيد “لبناني أكثر من عشر سنوات” وأنا بعدو عمري تمانة” تبسم جدي و طبع قبلة على جبيني و تركني في حيرة دون إجابة. و تعاقبت اللأيام , وكبر تساؤلي لا بل إزدادت تساؤلاتي حتى أدركت أن تكون لبنانيا أكبر و أعمق من السنوات العشر التي إبتدعها فلاسفة الدستور و القانون التي قصر عن فهمها عقل الطفل ذي الثمانية ربيعا بالأمس إذ تسبر أغوار النفس و الروح في علاقة تلاحمية بين التراب و الإنسان في أسمى إنعكاسات الحب وتجليات التفاني و العطاء.و هذا ما على كل شاب أن يدركه في بحثه الحثيث عن عناصر هويته اللبنانية المفقودة إذ إن الوطن ليس أرضا يسكنها بعضا من الناس بل هي التماهي الذاتي الوجداني للإنسان مع الأرض التي يقطنها في ملزمة الحياة بأبعادها الزمنية الثلاث : الماضي الذي يعبر عن تاريخ الرابط  بين الاجيال المتعاقبة بذاكرة مجتعية حية تكسر جمود الأمس و حاضر معاش و غد ليس إلا مرتعا للأحلام والآمال. وما التعبير عن هذه العلاقة إلا بالممارسة الوطنية السليمة التي تتخطى حدود الطائفة و الملة و الجماعة. وهنا لا بد لكل شاب أن يبدأ الثورة من ذاته- أي أن يكون هو البداية و الوطن المنتهى و المبتغى في جمع إرادات مشتركة . أن يبدأ في بناء هويته اللبنانية لا من تراكم سنين من الخلافات السياسة الظلماء التي تدور كلها في فلك الطائفية  بل من رؤية حضارية للكينونة اللبنانية , لا إنطلاقا من الألوان التي تلوث ساحتنا أو التواريخ التي تبدد ماضينا و تلخصه في بضع أيام بل علينا نحن كشباب أن نجعل للوطن في عقولنا عقلاً، ومن روحنا روحا، ومن حياتنا حياة حتى نتحد بالوطن أو يتحد الوطن بنا ، وبذلك تبتعد مسألة الوطن عن أن تكون عصائبية أو أنانية أو طائفية ، من خلال ذلك علينا ان نتوحد في الإنسان وفي حركة المواطن في هذا المقام ، أن لا نجعل الوطن تجمعاً يقسم الشباب إلى طوائف، بل أن نعتبر الوطن إنساناً يغني تجربتنا الحضارية ، كما يمكننا أن نغني تجربته الحضارية في هذا المجال.

Leave a Reply