مسؤوليات مبعثرة

يحيى طليس

كاتب مساهم

     أهالٍ وجمهور وقوى أمنية وبلديات وأحزاب ومخالفين ووسائل إعلام ومواقع تواصل اجتماعي، باقة متنوعة …
على ضفاف الفقر في ضواحي بيروت الغنية يتجمع الفقراء في بلدي. يرتشفون من معين المدينة المكتظة التي تداوي لوع الجوع ولظى العطش.

     في البداية أتى رجلٌ فقيرٌ نحيلٌ بعربة القهوة السيارة يدفعها تارةً ويطقطق بفناجين القهوة تارة أخرى، طقطقة تثير آذان المارة فيسيل لعابهم على فنجان القهوة الساخن. رست عربة القهوة على إحدى الضفاف بعدما فرغت دواليبها من الهواء فانغرست في التراب وما عادت تتحرك. و ما العذر في ذلك أنها مجرد عربة وصاحبها فقير.
ولأن الأرض رطبة وخصبة أخذت العربة تنمو وتكبر فوضع لها سقف صغير وحيطان من خشب، ثم أتى فصل الربيع فأثمرت وأنجبت عربة صغيرة جميلة لها دواليب كأنامل الأطفال. أصبح صاحب العربة الفقير الضعيف غنيًّا وسمينًا وما عاد يطقطق بفناجين القهوة بل أصبح يصيح ويزمجر، فلم يترك أحدًا على الضفاف إلا وحملق به بعيونٍ مدورة و نطحه بقرونه المسننة.
تعجب أصحاب الضفاف واستغاثوا بالقاضي والداني فاشتكوا للدولة والبلديات والأحزاب والفعاليات من هذا الثور الهائج والمستوحش والذي احتل الشارع واستملك وخالف وأصبح صاحب الضفاف، يتغندر ويصول ويجول ويرفع أعلام الأحزاب وصور الشرفاء ليحتمي بظلالها. وللإنصاف حاولت القوى الأمنية العديد من المرات أن تزيل هذه المخالفات ولم تنجح بسبب ذكاء و دهاء الثور وأقرانه. فكان يستدعي النساء والأطفال والخدم والحشم لحماية المكتسبات وأحيانًا كان يسكب البنزين على نفسه مقلدًا محمد البوعزيزي وأحيانًا كان يسكب زيت الكاز.
إحتارت البلديات بأمره وأمر كل المخالفين، فما كان منها إلا أن أتت غفلة وأزالت كل التعديات. استفاق الثور على هدير الجرافات فقام وثار وزمجر وغضب وسب كل الأحزاب التي كان يتظلل تحت أعلامها وصورها، وأثناء ثورته اصطدم قرنه بقرن البلدوزر فانكسر. وعند انكساره أتت إحدى وسائل الإعلام وصورته على أنه مظلومٌ مستضعفٌ فقير. وأخذت تشحذ عليه وتستعفي بالشتيمة التي أطلقها وتستغيث به وتنادي الظليمة الظليمة الظليمة…

Leave a Reply