نقمة بلفور

روان البتلوني

كاتب صحفي

   هو الحكم بالإعدام الذي كان عابرًا للقارات، حكمٌ نعى فيه الغرب أمّة عربيّة قُطّعت أوصالها ووزّعت أجزاؤها على قطيع ذئاب جائعة، جائت من أقصى بقاع الأرض لتلفظ على أرضنا قذارتها. وقعت المعاهدات وجرت الإتفاقات وقسمت الصفقات وعقدت الوعود.

   يا ليت بلفور الذي حلل هجرة أسراب الغربان من أوروبا والعالم إلى قلب الشرق فلسطين كان يعلم أن وطنًا قوميًّا لليهود لا يمكن أن يقوم يومًا على أنقاض شعبٍ حيٍّ وحضارةٍ عريقةٍ. ليته كان يعلم أن الحِمال الوديعة التي أودعها أرضنا المقدسة، ستتحوّل إلى أفاعٍ سامة تبث سمومها في قلب هذا الشرق لعقود طويلة. اليوم وعد بلفور نفسه الذي فتح النار على شرقٍ يتهاوى بعد أربعمائة عام من بطش آل عثمان، مطلع القرن العشرين، يترك في فلسطين جرحًا عميقًا لا يزال ينزف حتى مطلع قرننا الحادي والعشرين هذا.

   ولمن لا يعرف الكثير عن “وعد من لا يَملك، لمن لا يستحق” كما يسميه العرب عمومًا والفلسطينيون خصوصًا، فوعد بلفور هو رسالة تقر بتأييد بريطانيا إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين واستعدادها التام لتنفيذه شأنه شأن أي هدف إستعماريّ. قبل مئة عام، كان الوعد المشؤوم هذا. وقبل مئة عام أيضًا، كانت فلسطين أرضًا عربّيةً بامتياز وعدد اليهود فيها لا يتجاوز الخمسة بالمئة. بعد شهر على وعد بلفور، وفي زمن الحرب العالمية الثانية، فُرض الإنتداب البريطاني على فلسطين، وصار الوعد واقعًا جعل من فلسطين محطةً ليهود أوروبا والعالم بغطاء بريطاني وتسهيلات عقارية وإجتماعية وسياسية إن أدت إلى شيء فهو ولادة صراع أبديّ بين أهل الأرض وأهل الوعد… فبضع سنوات من التوطين كانت كفيلة بإشعال فتيل النزاع بين اليهود والفلسطينيين، خاصةً في ظل التمييز والتحيّز البريطاني.

    بعد وعد بلفور، دارت عجلة الأيام بطيئةً وتوالت الإنتفاضات الفلسطينيِة ضد اليهود والإنكليز، سقط على إثرها الكثير من الشهداء الفلسطينيين وسجن الكثير من القادة والناشطين أيضًا، هذا بالإضافة إلى التهجير الممنهج الذي كرسته سلطات الإنتداب والإحتلال الذي جعل ممن لفظتهم أوروبا أهل الأرض من جُبلت دمائهم منذ الولادة بالتراب المقدس، طالبي اللجوء. إزدادت وتيرة الصدامات وحدتها تدريجيًّا وبريطانيا  تراقب فظائع أفعالها لتتعاظم بصمت. دقت ساعة الصفر بعد عدّة أعوام عندما أدركت بريطانيا أنه قد آن الأوان لحزم الأمتعة، فكانت بريطانيا راعية الإتفاق القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولة عربية وأخرى يهودية لحل النزاع.

   ولكنها كانت نقمةً حتى في انسحابها، إذ سلمت مواقع ومساحات شاسعة لميليشيات صهيونيّة بادرت سريعًا في إعلان دولة إسرائيل التي اعترف بها المتآمرون وأولهم الولايات المتحدة الأميركية فور إنشائها. لم يلتزم هذا الكيان المزعوم بإتفاق التقسيم كما ورفضه الفلسطينيون أيضًا بصفتهم أصحاب الأرض والحق. وبالإستعانة بما دَرَّ به عطف بريطانيا عليها، باشرت إسرائيل بناء نفسها وتوسيع كيانها، فكانت الحروب مع الدول العربيةّ المحيطة واحتلال وتهجير القسم الأكبر من الشعب الفلسطيني. بالطبع لم تتوقف التحركات الفلسطينية هنا، ولكن إسرائيل للأسف أحكمت الطوق على معظم فلسطين والضفة الغربية وقطاع غزة بحلول عام ١٩٦٧.

   تعاظمت قوّة الكيان الصهيوني العسكرية مذ ذاك التاريخ. فكما المرض الخبيث في جسمٍ مريضٍ، نشر العدوّ قواته على كافة الجبهات، طبعًا بغطاءِ غربيٍ ودعمٍ سياسي وعسكري. واشتعل الشرق الأوسط بين الفلسطينيين والدول العربية من جهة، والصهاينة وإمبراطوريات العالم خلفهم من جهة ثانية. كان الزمن كفيلًا بإخماد شعلة العروبة في بعض الدول العربية لاحقًا، كما وقد كان الضعف والفساد كفيلًا بإسكات بعضها الآخر. سكت الجميع ولكن أهل الأرض اتخذوا من صدورهم دروعًا بوجه آلات القتل ومن الحجارة سلاحًا بوجه ظلم الإحتلال. تشكلت بعد ذلك الفصائل المقاومة وباشرت عملياتها بوجه الطغيان، واتُهمت بالإرهاب والتطرف والإجرام، ولكن بطولاتها على ساحات الشرف فرضت نفسها على صفحات التاريخ أمجادًا وتضحيات.

     قرنٌ وفلسطين تدفع الثمن، قرن وأطفال غزة يقتلون على يد من يصورهم العالم مضطهدين. مئة عامٍ على مجازر يوميّة وتدمير واستيطان وتهجير. مئة عامٍ على معتقلات ابتلعت أسرى الأمعاء الخاوية، ورفاة الأبطال المحتجزين. مئة عامٍ على إنكسار الأجداد ومظلومية الآباء وتهجير الأحفاد والعرب ما زالوا في سبات، والعالم غافلٌ عن شعبٍ كان ضحية وعدٍ سرق من أطفاله كل الوعود وكل الآمال.

   رغم النضال ورغم التضحيات، تبقى فلسطين ال ١٩١٧ أرضًا تختلف كثيرًا عن فلسطين ال ٢٠١٧. فلسطين اليوم وهي تندب الذكرى المئة لوعد بلفور، محتلّة. إن مضطهدي الماضي الذين داسوا أرضها صاروا اليوم سفاحين. حلّت جيوشهم في قمة الترتيب العالمي وتضاعف عددهم وقويت شوكتهم فأخضعوا الأعداء من جيرانهم لشروطهم ونشروا سفاراتهم فيها، امتلكوا أشد أسلحة العالم فتكًا. وصار لهم مسرح هزليٌّ عالمي يغطّي فظائعهم وخرقهم للمواثيق الدوليّة، ويجنبهم النزاعات المسلحة. فلسطين اليوم، بعد مرور قرن على وعد بلفور، مجروحة ومقدساتها تتألم ومؤمنوها يتوجعون كذلك. فلسطين اليوم تشتاق لأهلها وتحتضن كل يوم المزيد الشهداء، وتسمع أصوات الجوع من أمعاء أبطالها الخاوية، وتتحسّر على ثرواتها التي تستثمر في سبيل إعلاء شأن الظالمين وصقل قدراتهم.

   اليوم، تجري السنين بسرعة، ويكبر عمر هذا الوعد معها، فيكبر معه ذلّ أمتنا وتتضاءل الآمال بإعادة فلسطين لسابق عهدها. يشاهد العالم جرائم الحرب التي يقترفها العدو على الشاشات ليتعاطف، ويستنكر، ويتوعد… ولكن الواقع يظل نفسه. بعد قرنٍ من المجازر التي تقوم بها إسرائيل بحق المدنيين، ينتفض شاب وبيده سكين يحاول غزّه بمن أمطر السماء قنابل على رؤوس المقاومين والمدنيين، والأطفال، يقود آخر عربةً ويحاول بها حصد أرواح من ساروا بدباباتهم فوق البيوت ومن فيها، فتقوم الدنيا ولا تقعد وتندد بالإرهاب وتتهم أهل الأرض بالتطرف وتزجهم في السجون. ولكنهم ومن خلف القضبان يعودون من جديد وبأمعائهم الخاوية يفرضون وجودهم وأحقية قضيتهم. هذه هي حال فلسطين، وهذه هي لعنة الوعد التي تلاحقها وشبابها، بانتظار إستفاقة عالمٍ عربيٍّ يشتعل من حولها ليعلن عن بزوغ فجرٍ جديدٍ تعود فيه الأرض لأهل الأرض ويلقى فيه أهل الوعد مصير صاحبه…

 

Leave a Reply