إلى من لا يعنيهم الأمر

يعقوب

كاتب مساهم

   إلى اللبنانيين غير المكترثين بالقضية الفلسطينية،

   أرجو أن تقرؤوا هذه الرسالة تفضُّلًا.

   السّلام على إنسانيتكم، وبعد،

   لمّا كانت سرقة أرضِ جارتكم فلسطين لا تعنيكم، فإنني لا أخاطبكم لحمل السيوفِ وشحذِ الهمم. واقعًا، قد تعود فلسطين إلى أهلها، وتنتصرُ أمّة بكاملها، وأنتم تلعبونَ بهاتفٍ في حمّام. وقد تبقى فلسطين محتلّة، ويقومَ سلام، وتضيعَ الهويّة.

   أما السؤالُ الذي يعنيني هنا، وأنا فعلًا أضحكُ حين أسأله: كيف حالُ حريّتكم، حين وعدَت بريطانيا لصّا، أن تعطيَه أرض جارتكم، فأخذها؟ والسؤال الأقسى على سكينتكم: ماذا لو وعدت بريطانيا بريطانيا نفسُها، اللّصَ نفسه، بأن لبنانَ أرضه، فيأخذها؟ ولأنني أقسمتُ أن أجعلَ محبّتي وصراحة قولي رسوليَ إليكم، أزيدُ تعديلًا على السؤال: ماذا لو وعدت بريطانيا نفسها، اللصّ نفسه، بأن أرض لبنان، بما فيها جبل لبنان بكامله، وشمال لبنان بكامله، وقرى لبنان كلها، ملكٌ له، فيأخذها ولا تبالون؟

   أما لبنان، أرضكم وأرضُ آبائكم، ففيه من الأقوياء ما يكفي لحمايتكم من الإعلانات المشؤومة والأطماع الخبيثة. لكنّ حزني يتسرّبُ إلى أحرُفي حين أذكرُ حريتكم المزعومة التي تحاضرون بها في كل مناسبة وكم أنكم عاشقين لها. وأنا إذ أخاطبكم خوفًًا عليكم من أنفسكم، أقول: من لا يتفاعلُ مع التاريخ والسياسة كانعكاسٍ لقيمتهِ الإنسانية والحضارية فقد مات. وأنَّ من ارتضى سرقةَ فلسطين فقد أخمدَ من روحهِ قدَرًا عظيمًا. وأنَّ الروحَ التي يغتالها صاحبها حبَّا بسرابٍ أسماهُ حريّة، فقد أهانَ نفسه. إن خنتم فلسطين فقد خنتم إنسانَكم، تمامًا كما تخونونَه إذا مررتُم في حياتكم فوق الفقراء، لا بقربهم.

   الغريبُ أنكم تحبّونَ تقليدَ الثقافات الأخرى بعد انتزاع قصصِ الكرامة والعنفوانِ منها. وأنكم تجبون الثوار في حضاراتهم، فإذا وجدتم من يشبهه في حضاراتكم قتلتموه. فمن أنتم إذًا؟ كونوا أحرارًا كالثوار الفرنسيين مثلًا، كونوا ثوارًا كغيفارا ومانديلا وغاندي ومارتن لوثر كينغ، وغيرهم. تمثلوا بهؤلاء الذين تتغنون بهم بالأقوال فقط. إن كنتم فعلًا تحبون الحرية، فعيشوا أحرارًا وتمثلوا بالأحرار. انتصروا لإنسانيتكم ولا تقتلوا التاريخ في أوهامكم.

   فلتعيشوا في أحلام سميتموها بأنفسكم. غدًا سيعبرُ الأبطال فوق الجسر خفافًا، وأنتم سترجون لو كان فيكم من الإنسان ما يكفي للعبور من المستنقع إلى الفجر الجديد.

   أحببتم الخلود، فخُلِّد الثائرون، وأنتم خلدتم الى الأرض عنادًا.

   استيقظوا قبل حلول الأجلين: أن تعود فلسطين لأهلها لأن الحق لا يموت وسينجلي فجر فلسطين لو كره الكارهون، أو أن تعودوا أنتم إلى التراب وهذا مصير كل البشر، فإن لم تكونوا ناصرين للحق في حياتكم فكيف عساكم أن تنصروه وأنتم تحت التراب؟ ربما تصرخون صرخةً واحدةً أمام إعلان بلفور، صرخة تحرركم من العبودية. ربما يستفيق فيكم نائم فيقول: خسئ بلفور أن يعد بما لا يملك، وأن يعطي من لا يستحق. عندها فقط تكونون قد استرجعتم إنسانكم الذي قتلتموه بأيديكم.

 

Leave a Reply