التاريخ العربي ينعي سيد دمشق الدكتور عفيف البهنسي

ليان الضاني

كاتبة مساهمة

   قضت دمشق ليلتها يوم الخميس مفجوعةً برحيل مؤرخ حضارتها والعين الساهرة على فنها العريق ومدوّن جمالها عبر السنين وحافظ تقلباتها المعمارية ورائد فنها التشكيلي، باختصار خسرت سوريا سفير تاريخها الجمالي إلى العالم. تُوفي في 2 تشرين الثاني الفنان والباحث والمؤرخ الفني الدكتور عفيف البهنسي عن عمرٍ يناهز التاسعة والثمانين عامًا، تاركًا خلفه إرثَ سوريا الحضاري الذي جمعه ودوّنه في كتبٍ جالت القارات ناشرةً روعة الفنون السورية. وقال الدكتور غسان الطويل، صهر الراحل، في تصريح لـ سانا “الدكتور البهنسي توفي وفاة طبيعية بعد مسيرة علمية حافلة امتدت زهاء ستين عامًا وسيصلى على جثمانه بعد صلاة ظهر يوم السبت القادم في جامع الروضة في دمشق ليوارى الثرى في مقبرة الشيخ رسلان.”

   الدكتور عفيف البهنسي من مواليد دمشق ١٧ نيسان من عام ١٩٢٨ في حي الشهداء – السبكي. درس في دمشق جميع مراحل الدراسة وحصل على إجازة دار المعلمين فيها. حصل على الإجازة في الحقوق ودبلوم العلوم الإدارية من جامعة دمشق عام 1950. درس الفن في معهد أندره لوت في باريس ودرس تاريخ الفن في معهد اللوفر. حصل على الدكتوراه في تاريخ الفن من جامعة السوربون عام 1964 بدرجة مشرف جدًا. حصل على دكتوراه الدولة من جامعة السوربون عام 1978 بدرجة مشرف جدًا.

   شعر الراحل الدكتور البهنسي العديد من المناصب خلال مسيرته المهنية الرفيعة، كان أهمها أول مدير للفنون الجميلة بين عامي ١٩٦٢ و١٩٧١ وأول مدير عام للآثار والمتاحف بين عامي ١٩٧١ و١٩٨٩، وإضافة إلى ذلك شغر منصب أول رئيس لمجلس إدارة مراكز أبحاث التاريخ والفنون في إسطنبول بين عامي ١٩٨٠ و١٩٩٦.  وساهم الدكتور البهنسي في تأسيس ٢٣ متحفًا بينها متحف الرقة والبصرى والسويداء وقلعة حلب، كما شارك في تطوير متحف الوطني في دمشق. وعلى الصعيد العربي، شَغر الدكتور البهنسي منصب نائب الأمير فيصل لحماية الآثار الإسلامية وكان رئيس لجنة التحكيم لجائزة الشيخ زايد للكتابة العربية لدورتين متتاليتين.

   أغنى الدكتور عفيف المكتبة العربية والعالمية بأكثر من٧٠ كتابًا، وقد تمت ترجمتها إلى لغات عدّة. وساهم في تأليف العديد من الموسوعات العالمية أهمها “موسوعة التراث المعماري” ومن قائمة مؤلفاته: “الفن عبر التاريخ” و”الفن الإسلامي” و”سوريا التاريخ والحضارة والعمران الثقافي” وغيرها من المؤلفات التي دونت بهاء الفنون العربية والتي تعتبر حاليًّا أهم المراجع الثقافية.

   كل هذه المناصب السامية وغيرها، لم تشغل الدكتور عفيف عن منصب التعليم، فقد كرّس حياته في خدمة الفن التشكيلي في سوريا حيث كان أستاذ تاريخ الفن والعمارة في جامعة دمشق منذ عام ١٩٥٩، فالدكتور عفيف كان يعلم تاريخ الفن عبر العصور أي في ظل الحروب والأزمات، وعلى يده ترعرع جيل مازال يغني الحركة الفنية حتى في ظل سوريا البائسة اليوم، لأنه باختصار كان يعلم الحياة.

   كان لا بد لهذه المسيرة المهنية الحافلة من أن تتوج بأوسمة وشهادات تقدير، فالدكتور البهنسي حصل على ثلاثة عشر وسامًا وعدة جوائز محلية وعربية وكان آخرها فوزه بجائزة مؤسسة الكويت للتقدم العلمي لعام ٢٠١٦ في مجال الفنون والآداب ودراسات في الفنون التشكيلية والمسرحية والموسيقية، وهذه نظرًا للدراسات المفصلة التي أجراها عن التميز الجمالي للتراث العربي وفي الواقع العربي المعاصر والفن الإسلامي والعربي.

   وفي حديث خاص مع كريمة الراحل الدكتورة يولا عفيف البهنسي الطويل، تحدثت فيه عن عظمة الدكتور البهنسي وعن كم هو دمشقي أصيل حرص على سوريا ودمشق طيلة حياته. وأضافت أن الراحل اختار آية من القرآن الكريم وهي “والقَلَم وَمَا يَسْطَرُونَ” لتكون مكتوبة على شاهده حين يزرع تحت أرض دمشق غدًا. وأكملتْ قائلة “عفيف البهنسي رجل صنع عملاقًا وأراد أن يباهي في يوم من أيام السماء أمام الملائكة بخلق الله لخليفته على الأرض، فكان نِعمَ الخليفة على الأرض.”

   السبت سيكون للأمة العربية موعدًا لتوديع حصنًا عريقًا، ولتوديع رسول الحضارة العربية سيد دمشق، السبت سيدفن الياسمين الشامي جذرًا عصيبًا من جذور دمشق، وستُسلم شعلة الثقافة والفن والإبداع- التي أشعلها منذ أكثر من ستين عامًا- إلى أولاده وأحفاده وكل من تثقف على يد عفيف البهنسي لأن ثمة حضارة أخرى تولد من كتبه. الدكتور عفيف البهنسي لن يغيبه الموت فغيابه في مكان حضورًا في كل الأمكنة.

 

Leave a Reply