تأخير الساعة: يقدّم أو يأخّر

وائل عيتاني

كاتب صحفي

   حين كان الإنسان يغتنم الساعة بتماهيه معًا حوله، قد كان يومه يتمحور حول الشمس وجدول عمله يداعب حالاتها. فبعيدًا عن الإستواء، النهار والليل يتناوبان في الطول والقصر. إلّا أنّه ما فتئ أن حجّر القياس الزمني في وحدات ثابتة ومتساوية خلقت جدلًا بين النشاط البشري والطبيعي. فما عاد الوقت يتبع حالة الأرض بل عقرب تحفة ميكانيكيّة. وكتعاملها مع باقي الأمور، استفادت الرأسماليّة الصناعيّة من الأمر، فألحقته توقيتًا صيفيًّا يشكّل نقلة حادّة في قياس الزمن بدل التغيير الطبيعي التدريجي. وهذا التوقيت روّج على أنّه يوفّر في مصاريف الإضاءة كما ويسمح للعامل بالتمتّع بجزء أكبر من نهاره بعد يوم عمله.

   تُذكر الإذاعة الوطنيّة العامة أن بنيامين فرانكلين هو من ابتدعه فطرح نقل ساعة من ضوء الشمس من الصباح إلى المساء. وليس الأمر مستغربًا إذ كان هو الكاتب والسياسي والعالم والمبتكر اشتهر بحسّ الدعابة لديه وبجدول عمله اليومي الصارم كما تذكر ماريا بوبوفا في مقالها “الروتين اليومي لكاتبين عظماء”. أفيعقل أن يكون اقتراح تأخير الساعة نكتة مِن مَن كان يستفيق عند الخامسة فجرًا ولا ينتهي يومه إلّا بعد سبعة عشر ساعة؟

   في رسالة له ل”جورنال باريس”، يقول فرانكلين “أفاقتني ضوضاء مفاجئة عند السادسة صباحًا فباغتتني غرفتي وهي يملؤها الضوء.” وهو قدّر أنّ ما ينفقه الباريسيون على ضوء الشمعة الذي يستخدمونه لاستفاقتهم ساعة بعد الشمس بما مقداره اليوم 200 مليون دولارًا.

   فما حقيقة فوائد تأخير الساعة؟ ولماذا يسعى الكثيرون لإلغاء تأخير الساعة في بلادهم اليوم؟

   يتبع فرانكلين كلماته في رسالته الفكاهية باقتراح قرع أجراس الكنائس وإطلاق المدافع عند شروق الشمس لزيادة عدد من المستيقظين مع طلوعها. والاقتراح تم اعتماده بدول أوروبيّة لأوّل مرّة عام 1916. واليوم، نقلًا عن الإندبندنت، تحاول الحكومة الفنلندية دفع الإتحاد الأوروبي إلى إلغاء ما يعرف ب”التوقيت الصيفي” بحجّة أنّه يسبّب اضطراب النوم لدى المواطنين لمدّة بعد التغيير كما يرتبط بتراجع إنتاجيّة العمال وزيادة المشاكل الصحيّة لديهم. وبمقال في اليوم السابع، تحذّر مريم بدر الدين من أن يغيّر المصريون ساعاتهم بعد أن ألغت الحكومة المصرية التقويم الصيفي مطلع هذا العام. يأتي هذا بعد أن كانت مصر تتجنّب اعتماده خلال السنوات الفائتة مع قدوم شهر رمضان في فصل الصيف، كما ينقل موقع الأيام 24. أمّا الهند، فبحسب موقع تايم آند دايت، فهي لم تعد تعتمده منذ عام 1970.

   وفق حسابات موقع كوارتز، فإنّ الولايات المتحدة تشهد حوالي 4600 ساعة من ضوء الشمس، والشخص العادي الذي يصحى قبيل الساعة الثامنة وينام قبيل منتصف الليل يستفيد أقل مِن مَن يصحى باكرًا بعد التغيير. إلّا أنّه يبقى مستفيدًا من حوالي 238 ساعة نهار إضافية خلال العام. وفي دراسة نشرها كلّ من اكسيو يو ويوهانغ سو في رنيوابل لند سستاينابل أنرجي ريفيوز، فترشيد استخدام الطاقة في إضاءة المكاتب بلغ حوالي 30% بالمئة في اسطنبول و 70% في أثينا وهي أقرب المدن المذكورة في الدراسة من بيروت.

   أمّا من الناحية الصحيّة، فقد نشر بوديس دراسة في المجلّة الصينيّة الطبيّة تشير إلى أن زيادة عدد ساعات التعرّض لأشعة الشمس يخفف بشكل طفيف إحتمال الإصابة بجلطة بما يتعارض مع ما خلص إليه جانسكي وغيره في ما قدّموه لمجلة طب النوم عام 2012 والذي يشير إلى ارتفاع نسبة الجلطات بحوالي 4% بين المواطنين السويديين خلال الأسابيع التي تلحق اعتماد التوقيت الصيفي. كما أشار هاسين في دراسة نشرها في مجلة الطب النفسي عام 1998 عدم وجود رابط بين معدلات الاكتآب واعتماد التوقيت الصيفي، وأكّد هذا بجوركستين في دراسته عام 2005. ويشير دافيس في مجلة الإبيديمولوجيا عام 2001 أنّ زيادة مدّة التعرّض للضوء الكهربائي يزيد من خطر الإصابة بسرطان الثدي. وتكثر الإشكاليّات حول ارتباط الضوء بصحّة الإنسان لَخَّصها آريس في مجلة أبحاث وتكنولوجيا الإضاءة عام 2013.

   وأهمّ النقاط ضد تعديل التوقيت أنّ التغيير المفاجئ يتعارض مع ساعاتنا البيولوجيّة ممّا يجعلنا “ناعسين وخمولين” ومن الممكن أيضاً أن يجعلنا “خطيرين” حسب ما تذمر ليفني لكوارتز، ويؤكّد ستايلي هذا بما نشره من إحصاءات تقول أنّ حوادث المناجم ترتفع 6% ومعدّل مدّة المحكوميّات 5% وحوادث السير 7% في الإثنين الذي يلحق تغيير الساعة. أمّا فيقول للموقع نفسه أنّ أي توفير في الطاقة يحقّق التقويم الصيفي يقابله زيادة ساعات استخدام المكيّفات الهوائيّة.

   إيقاع الإنسان البيولوجي يتكيّف مع ساعة الفصول لا عقارب الدولة، كما يستخلص كانترمان وجودًا. هل تقديم وتأخير الساعة شمّاعة نعلّق عليها مشاكلنا مع مجتمع الحداثة؟ أم أنّه فعلًا خطرٌ قوميٌّ يستحق الإحتجاج عليه كما فعلت فنلندا أو إلغائه كما فعلت الهند؟ يبقى جواب الرحباني هو الأدق واصفًا حالنا مع الأخير، فنحن “نقدّم الساعة ونرجع عشرين سنة”. فالوقت “أنفس ما عنينا بحفظه، وأهون ما علينا يضيع”، وكأنّه يحرق مع المشتقات النفطيّة في طرقات مدينتنا المزدحمة.

Leave a Reply