حكاية وطن في متحفه

جواد طرفه

كاتب صحفي

إن أحد أهم مقومات أي حضارة أو هوية هو أمجادها وتاريخها، لذلك دأب الإنسان منذ القدم على تسجيل تاريخه والحفاظ على أي مقتنيات أثرية لها من دور في تثبيت المرء في أرضه والحفاظ على التواصل الثقافي والحضاري مع أجداده، كي لا ينسى أصله وليتعلم من أحداث الماضي، لأنّ، وعلى حدّ قول المثل الشائع، التاريخ غالبًا ما يعيد نفسه. في هذا السياق لا بد لنا أن نستحضر المتحف الوطني اللبناني الذي تمثل مقتنياته، البالغ عددها ١٠٠٠٠٠ قطعة، ثروة وطنية و تأكيدا عن أن هذا الوطن ضارب بالتاريخ، إذ أنّ هذا المتحف نفسه قد شهد ويلات كتلك التي مرت على هذا الوطن، ودمار كذلك الدمار الذي شلّ هذا الوطن، فكان بامتياز مؤرخًا لهذا البلد منذ عصر ما قبل التاريخ، وحتى عصرنا الحالي.

وعلى عكس ما قد يكون سائدًا عن مسؤولية فرنسا في إنشائه عامَ ١٩٢٣، يؤكّد مدوّنو التاريخ في لبنان أنّه قد تم تأسيس لجنة هدفها جمع التبرعات من أجل إنشاء المتحف الوطني، فتم شراء الأرض المناسبة على طريق الشام خلف ميدان الخيل، ومن ثمّ بدأت  مشاريع التصميم عن طريق المهندسين أنطوان نحاس وبيار لو برنس رينغة. استهلّت عملية الإنشاء والبناء عام  ١٩٣٠  في عهد الشيخ بشارة الخوري رئيسًا للحكومة ووزيرًا للتربية والفنون الجميلة،  ثم افتتح المتحف رسميًّا عام ١٩٤٢ على يد  ألفريد نقاش الذي كان رئيسًا للجمهورية أيام الانتداب، وقد جمع المتحف آثار عديدة ومختلفة من كافة أرجاء البلاد، وكان قد تم التنقيب عنها منذ الستينيات وبداية السبعينيات.

أمّا عام ١٩٧٥ قد كان حدثًا مفصليًّا في تاريخ المتحف، إذ اندلعت الحرب الأهلية في لبنان، وقد وقع المتحف الوطني في تلك الأيام على خط التماس بين البيارتة، حتى طالته مختلف قذائف اللبنانيين، فأغلق أمام العموم، وحاول القائمون عليه الحفاظ على المقتنيات من الخراب، فقاموا ببناء جدران مسلحة حول بعض الآثار الكبيرة وتم تغطية آثار أخرى بالإسمنت لحمايتها ونقل البعض الآخر منها إلى مصرف لبنان. لكن داخله لم يسلم من الخراب والدمار، إذ طالت القذائف مجموعة كبيرة من المحتويات، كالمكتبة الوطنية التي كانت تحتوي على حوالي ١٧ ألفَ مجلد، كما وشب حريق بفعل القصف في الجناة الملاصق للمبنى الرئيسي، فأتى على قسم كبير من المستندات والخرائط والمعدات المخبرية وأَتلفت ٤٥ من الصناديق التي تحتوي على قطع أثرية، هذا عدا عن السرقة والتشويه الذي لحق به جراء ذلك، وجعله مقرًا عسكريًّا واستخدام المنطقة المحيطة به كنقطة تفتيش على المعبر آنذاك.

   وضعت الحرب أوزارها عام ١٩٩٠، والمتحف على شفير الهاوية: الدمار كان هائلًا، المياه كانت تتسرب من الشقوق والشبابيك العارية، وما بقي من الآثار كان محفوظًا ل١٥ سنة في ظروف غير مناسبة، كما وارتفع معدل المياه الجوفية المالحة إلى مستودعاته فتكونت طبقة من الملح على قواعد بعض آثاره. فالمهمة كانت صعبة. ظهرت أول خطة للترميم عام ١٩٩٢وبدأ مشروع إعادة التأهيل عام ١٩٩٥، حيث استلمت مشاريع الإصلاح وإعادة العمران ثلاث جهات وهي وزارة الثقافة، والمديرية العامة للآثار، ومؤسسة التراث الوطني طِبقًا لخطة المهندس الفرنسي جان ميشال ويلموت. وقامت الحكومة باستعادة ما تم سرقته من الآثار، وبجهود حثيثة ومساعدة من مساهمين آخرين، افتتح الطابق الأرضي عام ١٩٩٧، ومن بعده الطابق الأول عام ١٩٩٩ ، الذي شهد افتتاح المتحف رسميًّا، ثم أنشأت صالة موريس شهاب عام ٢٠١١ لتنتهي من بعدها عملية العمران عام  ٢٠١٥ بافتتاح الطابق السفلي.

   كما ذكر سابقًا فإن المتحف يضم بين جوانحه آثار ومقتنيات من مختلف العصور التي مرت على بلادنا. فتوجد أولًا آثار تعود لحقبة ما قبل التاريخ كرؤوس السهام وأحجار القدح وصنارات وغيرها، ويأتي بعدها العصر البرونزي، حيث يوجد تماثيل ونوواويس كناموس أحيرام ملك بيبلوس ومجوهرات، يتلوه العصر الحديد حيث توجد تماثيل ونواويس أيضًا، أما بالنسبة لحقبة الحضارة الهلنستية، فإن المتحف يحتوي على منبر معبد أشمون وتمثال أفروديت وغيرها، ثم تتلوها الحقبة الرومانية حيث احتوى المتحف منها على نواميس كناموس أخيل من صور وتماثيل وفسيفساء كفسيفساء خطف أوروبا وهي ألهة إغريقية من بيبلوس وغيرها من المقتنيات. ثم تأتي الحقبة البيزنطية وفي المتحف جزء من محراب إحدى الكنائس وجدت في بيروت، أما فترة الفتح العربي حتى فترة المماليك فيحتوي منها المتحف على عملات معدنية ومشغولات ذهبية وسلطانيات ملساء من الطين المحروق وغيرها من المقتنيات والآثار في غير عصر. وأكثر ما يجعل من المتحف مهما فهو المتحف ذاته! بناؤه أبان دون غيره الماضي القريب والحرب الشعواء، وأصبح عبرة للبنانيين، وذكرى لهم بالمأساة التي وقعت كي لا تتكرر.

 

   إن كثيرًا من اللبنانيين لم يزوروا المتحف بعد، بل ولا يعرفون مكانه اصلًا، الأمر الذي يستوجب توعية حول أهمية هذا المتحف، ودوره في بناء الشخصية الوطنية المتمسّكمة بالتراث، المتطلعة إلى المستقبل وفي ذاكرتها عبر الماضي، وفي صدرها فخر الإنتماء.

Leave a Reply