دولة الأكراد: الحلم المستحيل

روان البتلوني

كاتب صحفي

    يعود تاريخ الكرد إلى ما قبل الميلاد، فهم كانوا مثل العرب بدو وحضر. كان تاريخهم حافلًا بمحاولات الإستقلال في ولكنهم على مدى  التاريخ فشلوا في إنشاء هذه الدولة الحلم، بل حصلوا بالمقابل في أفضل الأحوال على إمارات كالمروانية والبدرخانية. دان معظمهم بالإسلام بعد دخوله على يد الخليفة عمر بن الخطاب، وظلوا لقرون طويلة كما باقي الشعوب تحت ظل دولة تساوي مبادئ دينها بين جميع الأعراق فكان منهم أسماء خلدها التاريخ، كصلاح الدين الأيوبي وشيخ الإسلام ابن تيمية الذي يعتقد المؤرخون أنه كردي. نال الكرد إمتيازات خاصة في عهد الخلافة العثمانية لتضمن مواجهتهم للمد الصفوي القادم من بلاد فارس في مطلع القرن السادس عشر ومع تقهقر الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى بين عامي ١٩١٤ و ١٩١٨، وجد الكرد كبقية القوميات الأخرى كالعرب فرصة مؤاتية لانتزاع مطالبهم القومية.

   بدأت الحركة الكردية الحديثة مع الشيخ محمود البرزنجي الخطوة الأولى في درب الإستقلال، فتحالف الأخير مع  البريطانيين  ضد العثمانيين عام ١٩١٨، وأنشأ أول دولة مستقلة لم تدم كثيرًا في لواء السليمانية بين عامي ١٩١٩ و ١٩٢٢.

وكما خذلت بريطانيا دولًا عربية عديدة، كالسعودية والأردن وفلسطين، كان للأكراد حصتهم من الكذب البريطاني أيضًا مع توقيع إتفاقية لوزان عام ١٩٢٣التي رسمت حدود تركيا الراهنة وأزالت إتفاقية سيفر التي وعدت بحق تقرير المصير للكرد. تبخرت آمال الكرد بالوعود البريطانية لإنشاء دولتهم القومية، وأخذوا ينشطون مجددًا بحركة البرزنجي نفسها حتى عام ١٩٣١  حيث وبحركة قادها أحمد ومصطفى البارزاني في منطقة بارزان عام ١٩٣٢ سيطر الكرد عام ١٩٤٣ على مناطق في إربيل بالعراق وبادينانبل في إيران أيضًا ونشأت جمهورية مهاباد عام ١٩٤٦ بدعم من السوفييت، لكنها انهارت في أقل من عام

وأعدم رئيسها القاضي محمد على يد نظام الشاه

وفي قصة الكفاح نحو استقلالهم هذا، تحوّل البرازانيون إلى حراس البوابة الشرقية لإسرائيل وحصلوا على دعمها منذ انطلاقة     حركتهم من جديد، فكانت العلاقات المعلنة والصداقة القويّة، والتي أصبحت أكثر متانة مع إعلان مبدأ الطوق الثالث لديفيد بن غوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل منذ عام ١٩٤٨. المبدأ يقول بضرورة إنشاء تحالف أقليات يكونون حراسًا لبوابة إسرائيل الشرقية. أخذت العلاقات الإسرائيلية مع كرد العراق تظهر إلى العلن مع العام ١٩٣٦.  جاءت محاولة الأكراد ثانيةً للإستقلال بانتفاضة كردية المسلحة رغم اعتراف العراق بحقوق الكرد القومية بعد ثورة ١٩٥٨ ثم توقيع إتفاقية عام ١٩٧٠ والتي شكلت إطارًا رسميًّا لهذا للإعتراف، ألا أن إسرائيل ظلت ل١٢ عامًا الحليف الأهم للبرازانيين. أثمرت هذه العلاقة زيارات عديدة قام بها مصطفى البرزاني لإسرائيل ومستشارين عسكريين يتبعون للموساد لا يفارقون شمال العراق كما وتدريبات للكرد في قلب إسرائيل، لكن هذه العلاقات كانت مرهونةً برضى إيراني لتوضع نهايتها مع توقيع إيران إتفاقية شط العرب مع العراق في الجزائر عام ١٩٧٥. انتكست الحركة بتخلى إيران وإسرائيل عنها، ودخلت في صدامات داخلية دائمة بين جناح جلال طالباني وجناح البارزاني، لكنها عادت لتنشط بدعم من إيران مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام ١٩٨٠ واستأنفت المواجهات مع نظام صدام حسين العدو اللدود للإسرائيليين، والذي شن حملة عسكرية أودت بحياة آلاف الكرد واستخدمت فيها الغازات السامة. عام ١٩٩١ حارب الكرد وعلى رأسهم قائدهم الجديد مسعود البارزاني إلى جانب التحالف الذي أنشأته أميركا لتحرير الكويت مقابل وعود أميركية بدعمهم وحمايتهم، لكنها تخلت عنهم خلال معركة الصحراء وأنتجت هجرة مليونية كادت أن تنتهي بكارثة لولا فرض حظر طيران على شمال العراق بضغط من فرنسا فكانت هذه لحظة حاسمة في مصير الإقليم الذي بدأ يدير أموره بنفسه تحت غطاء دولي .

عام ٢٠٠٥ فاز الأكراد ب ٧٧ مقعدًا ببرلمان العراق وأصبح طالباني رئيسًا مؤقتًا، أما البارزاني فقد أصبح رئيسًا لإقليم كردستان وبدأ الإقليم ينسج لنفسه استقلالًا شبه كامل عن الحكومة العراقية المركزية

 تطورت علاقات إسرائيل بكردستان، كثيرًا منذ حصول الكرد على حكمهم الذاتي منذ عام ١٩٩٢، فالكرد كانوا بحاجة لحليف  مثل إسرائيل التي تعلن صراحة تأييدها لفكرة إنفصال كردستان. كيف لا و٧٥٪‏ من حاجات إسرائيل النفطية تأتيها من كردستان العراق، كما أن عشرات الشركات الإسرائيلية تستثمر بمليارات الدولارات هناك.  قصة نزاع كبيرة عاشها الأكراد في سبيل الإستقلال المنشود ولكن الواقع والتاريخ يحفران بخطوط عريضة أنهم في كل المرات خذلوا. خذلوا من بريطانيا أيام البرزنجي ثلاث مرات في ٥ سنوات، ومن السوفييت أيام جمهورية مهاباد، ومن نظام حافظ الأسد عام ١٩٩٩ عندما سلم حليفة زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان لتركيا بعد تهديدها بغزو سوريا عام ١٩٩٨، ومن إيران في إتفاقية شط العرب مع العراق.

يسيطر الكرد اليوم على أجزاء واسعة من سوريا بدعم أميركي… ويواصلون حرب العصابات ضد تركيا وإيران كما ويحكمون فعليًّا إقليم كردستان العراقي الذي يلوّح بالإستقلال بين الوهلة والأخرى وهو ما يعتبر إجراءًا شكليًّا لا ضرورة له وسيؤخر الإنتصار على داعش كما وسيحمل عواقب وخيمة على محيط إقليمي عدائي للأكراد واستقلالهم وحلفائهم أيضًا. إن هكذا محيط، لن يتسامح بحسب التاريخ مع دولة كردية قد توقظ النزعات الإنفصالية ل ٣٨ مليون كردي غالبيتهم في إيران وتركيا.

يحاول اليوم الأكراد استكمال مشروعهم الأزليّ بالإستقلال ولعل السيناريو هذه المرة شبيه بما حدث أيام ضعف العثمانيين عندما حاولوا الإنفصال، فسوريا اليوم بجيش مشتت على كل الجبهات والعراق تقارع الدواعش أيضًا وهذا يفسح المجال أمام الأكراد بالتوسع والإستقلال، لكن هل سيكون الإستقلال إن حدث مؤقتًا كالعادة؟ إن المنطق يقول أن هذه الدولة الكردية إن حدثت محاصرة من كل الجهات فسوريا، إيران وتركيا والعراق كلها عقبات صعبة على الكرد مجابهتها كما وموارد الدولة الكردية المزعومة عامل ضدها سواء لأنها نفطية بأغلبها مما يجعلها هدفًا للدول المحيطة التي سترفض الإستغناء عنها، أو لأنها شحيحة ولا تكفي حاجة الإقليم. أما يزيد الطين بلّة فهو افتقار الكيان الكردي إن وجد، لمنفذٍ بحريٍ أيضًا يسمح له بأدنى خطوط التواصل مع العالم أو تحقيق أمنه الذاتي من الحاجات والموارد في حال فرض عليه الحصار المميت المحتوم من الدول المحيطة.

 إن الكيان الوحيد الذي يدعم هكذا دولة  كردية، هو إسرائيل والتاريخ يقول أن القاضي محمد ترك وحيدًا في مهاباد ليلقى مصيره. يقولون أن التاريخ يعيد نفسه، ولعل هذا القول قد تمادى في صحته بالنسبة للأكراد، فهل الأكراد اليوم في دوامة جديدة من هذا التاريخ الذي يعاد؟

Leave a Reply