سنة على رحيل أبو مجد… والنسيان ما عم بداوينا

داني وهبي

محرر قسم الرياضة

   منذ سنة وأسبوع من الزمن، في ٢٨ من شهر تشرين الأول ٢٠١٦، نعى لبنان وبأسف أيقونة فنية سطعت في سماء الموسيقى العربية، ملحم بركات، أو بالأحرى أبو مجد كما كان يلقب في الأوساط الفنية. كان يُنظر إليه باعتباره تلميذًا نجيبًا لجيل ذهبي من الكبار الذين أرسوا أسس المدرسة اللبنانية في الغناء والتلحين، ولكن برحيله تكون تلك المدرسة قد فقدت أستاذًا أثرى فن الغناء بطابعه اللحني الذي يجمع بين الطرب الأصيل والتجديد الموسيقي.

    ولد ملحم بركات عام ١٩٤٥ في بلدة كفرشيما اللبنانية، ليجد نفسه في أحضان طبيعة رائعة وجو يعبق بالفن والموسيقى، خاصةً أنه كان محاطًا بإثنين من عمالقة الطرب اللبناني، أولهما الموسيقار فليمون وهبي صاحب أغاني فيروز الشهيرة، والثاني الموسيقار حليم الرومي، والد الفنانة الكبيرة ماجدة الرومي. بالإضافة إلى هذا، فقد ترعرع أبو مجد في كنف عائلة فقيرة، يعيلها الوالد الذي كان نجارًا بسيطًا، لكن بساطته هي التي ألهمت أبو مجد منذ طفولته، فقد كان والده نجارًا للعيدان، وكان ينشد أغاني عبد الوهاب بين الفينة والأخرى، فكان الطفل الصغير ينتظر خروج أبيه ليلتقط العود ويدندن ذات الأغاني، حتى أطلق عليه رفاقه الصغار”مطرب الضيعة”.

   ظهرت موهبة ملحم الموسيقية في أيامه المدرسية، حيث لحن نشيدًا للمدرسة، وكان يشتري الجرائد ليلحن كلماتها، فنال إعجاب الموسيقار ملحم الرومي. التحق بعدها بالمعهد الوطني للموسيقى رغمًا عن أبيه، الذي عاد واقتنع بموهبة ابنه. من بعدها، وجه فيلمون وهبي نصيحة للفنان الواعد بالإلتحاق بمسرح فيروز والرحابنة، الأمر الذي أعطى الرحابنة فكرة أكثر من جيدة عن ملحم، فرأوا به إمتدادًا لنصري شمس الدين، الأمر الذي كان السبب الرئيسي أيضًا لانشقاق ملحم عن الأخوين رحباني، لأنه أراد أن يتخطى ظل نصري شمس الدين. وبمرور الوقت لم يعد ملحم ظلًّا لأحد كما أراد الرحابنة، بل تخطى هذه الخطوة بتلحينه لنصري ذاته، حيث لحن له أشهر أغانيه المنفردة “الطربوش” بعد إنفصال الشراكة بين الرحابنة وفيروز ونصري أواخر السبعينيات .

   بعيدًا عن الفن، تزوّج ملحم بركات أولًا من السيدة رندا عازار وهي أم أولاده مجد ووعد وغنوة، ومن ثمّ من مي حريري التي أنجبت له ملحم جونيور والتي عاد وانفصل عنها بعد زواج دام ٩ سنوات. المعروف عن ملحم بركات أيضًا ولعه الشديد بهواية الصيد. كان يؤلف مع الملحنين إيلي شويري والراحل فيلمون وهبي ثلاثيًّا معروفًا في هذا المضمار فلا يفترقون في مواسم صيد طيور «المطوق» و«الترغل» و«السمن». وكان يحلو للثلاثة أن ينتقدوا بعضهم بعضًا ويروون الطرائف والنكات الخاصة بالصيادين أثناء قيامهم بهذه الهواية. ويروي المقربون من ملحم بركات تلذذه في تناول الأطباق اللبنانية العريقة كالكبة على أنواعها والمجدرة والتبولة إلا أن طبق الفول المتبل بالحامض والثوم يبقى الأفضل بالنسبة له خصوصًا عندما يشكل ختام المسك لرحلة صيد ناجحة.

من النجاحات التي عرفها أخيرًا أغنية قدمها لماجدة الرومي بعنوان «اعتزلت الغرام»، إلا أن معظم أغانيه بقيت عالقة في ذاكرة اللبنانيين حتى اليوم. بينها «على بابي واقف قمرين»، و«العذاب يا حبي»، و«أحلى ظهور»، و«حمامة بيضا» وغيرها.

رحل أبو مجد، لكنه وبعد سنة، لازال قابعًا في ذاكرة اللبنانيين والعالم العربي، وسوف يبقى إلى الأبد. وفي أحد أغنياته الشهيرة يقول “يداوينا النسيان يا حبيبي”، فعسى أن لا ننسى موسيقارًا عظيمًا كلما سمعت ألحانه، تطبق مقولة “جيت بوقتك، فرفح قلبي…آه يا قلبي”.

 

Leave a Reply